الفقر، الأمكنة، ولغة الوفاء التي لا تشتريها الأموال

إن قصة القطة التي كشفت عن جثة اليسار ليست مجرد حادثة إنقاذ، بل هي مادة سردية عميقة تخبر عن ثلاثية مأساوية تتشابك فيها خيوط الفقر المدقع، وقيمة الوفاء الذي لا يقاس بالمال، والعلاقة الروحية المعقدة بين الإنسان والمكان. قصة اليسار المير، الممرضة الشابة التي سقطت تحت ركام منزلها في منطقة القبة بطرابلس في يناير 2026، تصير بحضور القطة التي ظلت تحوم حول موقع الركام أياماً طويلة، شهادة حية على فشل منظومة كاملة.

1. كمين الفقر: ثمن البقاء في الحائط المتهاوي

تكشف مأساة اليسار عن الوجه الأكثر وحشية للفقر في مجتمع يعاني من انهيار هندسي منظم. إن قرار البقاء في منزل مصدع، معرّض للانهيار في أي لحظة، لم يكن خياراً رومانسياً للتمسك بالماضي، بل كان قراراً اضطرارياً تفرضه الضرورة الاقتصادية التي لا تحتمل البدائل. لقد كان المنزل، رغم خطورته، يمثل آخر حصن أمام النوم في الشارع والمصير المجهول.

المشهد لا ينفرد به بيت اليسار وحده. إحصائيات رسمية تشير إلى أن حوالي 4,000 مبنى في مدينة طرابلس وحدها مهدد بالسقوط، معظمها في الأحياء الشعبية والعشوائية. على المستوى الوطني، يتجاوز عدد الوحدات السكنية الآيلة للسقوط في لبنان 17,000 وحدة، خاصة بعد سنوات من الحروب والنزوح والأزمات الاقتصادية المتتالية. هذه الأبنية، معظمها بُنيت قبل عام 2005، قبل إصدار معايير السلامة العامة للوقاية من الزلازل والحرائق، تنتظر جميعاً لحظة الانهيار الحتمي.

في مدن غارقة في الفساد، حيث يتكدس الذهب في خزائن المسؤولين، يصبح امتلاك سقف فوق الرأس رفاهية لا تتاح للجميع. اليسار، الممرضة التي من المفترض أن تكون جزءاً من عماد المجتمع، وجدت نفسها محاصرة بين نار الموت تحت الركام وجحيم التشرد. الدراسات الاقتصادية تؤكد أن الأزمة المالية التي بدأت عام 2019 أدت إلى انهيار القيمة الشرائية للعملة بنسبة تجاوزت 99%، وارتفاع معدلات الفقر إلى مستويات قياسية. عائلات بأكملها عجزت عن تأمين تكاليف الترميم الأساسي، بينما الدولة غائبة عن تقديم أي خطة إسكانية شاملة أو حتى إلزام بلديات بالتدخل الطارئ.​

لقد دفعت اليسار ووالدها ثمناً باهظاً للبقاء في مسكنهم، وهو ثمن كان الوفاء الاجتماعي والمسؤولية الحكومية يجب أن يسددانه بدلاً من حياتهما. الفقر لم يقتل اليسار بشكل مباشر، لكنه وضعها في كمين الموت—كمين لا مهرب منه بين خيارين كلاهما مؤلم.

2. الوفاء الذي يتجاوز المادية: القطة كمعيار للصدق

في المقابل، تقف القطة التي أطلق عليها المتداولون اسم “البسينة” كرمز مطلق للوفاء النقي، غير المشروط بأي حسابات مادية. علاقة القطة باليسار لم تكن قائمة على تبادل المنافع التجارية؛ كانت علاقة إطعام بسيط وعاطفة غير معقدة. هذا الوفاء الخالص هو ما دفعها لـ”الاحتجاج” الصامت على مصير صديقتها، تبرم وتدور لساعات طويلة في المكان المحدد، بدون كلل أو ملل.

الدراسات العلمية الحديثة تؤكد أن الحيوانات، بما فيها القطط، لديها مشاعر معقدة ومركبة تشابه بدرجة ما مشاعر البشر. الحيوانات تحزن وتتألم لفقد من تحب، وتطور روابط عاطفية حقيقية لا تُشترى بالمال. الدراسات النفسية أظهرت أن هرمون الأوكسيتوسين (هرمون الارتباط والحب) يزداد عند القطط بعد قضاء وقت مع البشر الذين تحبهم، مما يعكس وجود رابط عاطفي حقيقي يتجاوز التعريفات الحيوانية التقليدية.

لقد عجزت أجهزة الكشف المدفوعة بآلاف الدولارات عن تحديد الموضع، وعجزت السواعد البشرية المرهقة، لكن الغريزة الصادقة نجحت. الوفاء هنا لا يتعلق بالمال أو القوة أو حتى الذكاء البشري المعقد، بل بالرابط العاطفي المقدس الذي يتشكل بين الكائنات الحية. القطة أثبتت أن الأغلى والأكثر قيمة في الحياة لا يُشترى: لا يمكن شراء الوفاء، ولا يمكن شراء الغريزة الطاهرة التي كشفت الحقيقة. وبهذا تضع المعيار الأخلاقي الذي يفوق بكثير أخلاق من يتاجرون بمصير المدينة وناسها، من يضعون السياسات دون تطبيقها، ومن يشرّعون القوانين ثم يتركونها حبراً على ورق.​

3. المكان والروح: عجز المال عن سد الألم الروحي

تعكس قصة اليسار والمنزل المتهالك العلاقة المعقدة والروحية بين الإنسان ومكانه. البيت ليس مجرد جدران وأسقف وأساسات هندسية؛ إنه الهوية، الذكريات، الجذور، والملاذ الروحي. علماء النفس والفلاسفة يؤكدون أن شعور الإنسان بالانتماء إلى مكان معين يؤثر بعمق في تكوين هويته ويمنحه الاستقرار العاطفي والنفسي. المكان يصبح محفوراً في الذاكرة من خلال الأحداث والتجارب والطفولة التي عاشها الإنسان فيه.​

عندما يجبر الفقر الناس على التمسك بأماكن تهدد حياتهم، فإن هذا التمسك ليس عناداً بل هو في جوهره رفض لفقدان ما تبقى لهم من كرامة وإحساس بالانتماء. اليسار لم تترك البيت لأنها لم تستطع ترك طفولتها، ذكريات والديها، الرائحة التي تعرفها الروح قبل أن تعرفها الحواس. في سياق جغرافي حيث الدولة غائبة عن توفير بدائل آمنة—إذ أن حوالي 80% من سكان لبنان يعيشون تحت أو قرب خط الفقر—البقاء في البيت القديم، رغم خطورته، يصبح آخر خيارات الكرامة المتاحة.​

المصيبة هنا لا يمكن تداركها بالتعويضات المالية، وهذا ما يشير إليه الفشل الأخلاقي الحقيقي. يمكن للمسؤولين أن يرموا الأموال على أهل الضحايا—وسيفعلون—لكن هذا المال لن يسد الفجوة الهائلة التي خلقها الإهمال المزمن والمنظم. المال لا يستطيع أن يعيد اليسار، ولا أن يعيد الثقة بالدولة والمؤسسات، ولا أن يزيل الألم الناتج عن الشعور بأن الدولة تخاذلت عن حماية مواطنيها في أبسط حقوقهم—الحق في منزل آمن.​

إن وفاء القطة يكشف الخلل الجوهري: كان الوفاء لليسار مجانياً ونقياً، بينما كانت المسؤولية عنها مُسعّرة وُهملت عن قصد. القطة تصرخ بلا صوت: لقد كان هذا المنزل يمثل كل شيء لها، والمال الذي كان يجب أن يُصرف على ترميم هذا الإهمال وتوفير مسكن آمن لآلاف الأسر الأخرى مثل أسرتها، قد ذهب إلى جيوب الغارقين بالجاه والفساد. وهكذا، تبقى مأساة اليسار حجة دامغة على أن بعض الآلام عميقة وروحية، ولا تداويها إلا إعادة بناء الأخلاق والمسؤولية والالتزام الحكومي الحقيقي—لا مجرد رزم من النقود تُرمى على الجثث.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …