الحجية القانونية كدرع للمجتمع: لماذا يجب أن يتفوق القانون على السياسة في لبنان؟

شهد فبراير من عام 2026 منعطفاً تاريخياً في المسار الدستوري اللبناني، حيث أصدر المجلس الدستوري القرار رقم 1/2026 القاضي بإبطال قانون “تنظيم القضاء العدلي” (رقم 36/2026) بالكامل. جاء هذا الإبطال ليعيد الاعتبار لمبدأ فصل السلطات، مؤكداً أن الحماية الدستورية لاستقلالية القضاء ليست ترفاً قانونياً، بل هي الشرط الأساسي لكي تعكس الأحكام القضائية “الحقيقة” وتوفر الأمان القانوني للمجتمع.

إبطال قانون القضاء: انتصار لاستقلالية السلطة

استند المجلس الدستوري في قراره إلى أن القانون المذكور يمس جوهر استقلالية السلطة القضائية، معتبراً أن السلطة التشريعية قد تعدت على صلاحيات القضاء عبر تهميش دور مجلس القضاء الأعلى في صياغة القوانين المنظمة لشؤونه. وقد رأت المراجع القانونية ونادي قضاة لبنان في هذا القرار محطة مفصلية؛ إذ منع تحويل القضاء إلى أداة تابعة للتوازنات السياسية، وحمى الجسم القضائي من تدخلات كانت ستتكرس تشريعياً لولا هذا التدخل الدستوري الحاسم.

حدود المدرسة الوضعية والسمو الدستوري

رغم أن المدرسة الوضعية القانونية تمنح الشرعية للنص بمجرد صدوره عن السلطة المختصة، إلا أن هذا الحدث أثبت حدود هذه الفلسفة. فإبطال القانون اللبناني أكد على “التراتبية الهرمية” التي تسقط النص الأدنى إذا خالف الدستور. إن النص التشريعي، مهما كانت صياغته، يفقد شرعيته التأسيسية إذا تمت هندسته لتقويض القضاء لصالح نفوذ السلطة التنفيذية. وبناءً عليه، يعكس قرار المجلس الدستوري التزاماً بروح “الوضعية الدستورية” التي تحتكم إلى الإرادة السيادية العليا المتمثلة في المادة 20 من الدستور اللبناني، والتي تفرض استقلالاً مطلقاً للقضاة.

الفصل لضمان الحقيقة والحماية القانونية

إن الجدوى من فصل السلطات تكمن في صناعة “الحقيقة القضائية”. فلا يمكن للأحكام أن تحوز الحجية الفاعلة إلا إذا صدرت عن سلطة مستقلة تماماً، مبرأة من التسويات السياسية والضغوط الخارجية. هذا الانفصال هو ما يضمن أن يعكس الحكم “الحقيقة الموضوعية” للنزاع، بدلاً من أن يكون مجرد صدى لرغبات السلطة الحاكمة. ومن هنا تتحقق نظرية “الحماية القانونية”؛ حيث تتحول حجية الأحكام إلى درع حقيقي يصون حقوق الأفراد ويحمي النظام العام بقوة الدستور لا بقوة النفوذ.

الحجية القانونية لا العمل السياسي: رسالة للممارسين والطلاب

أمام هذا الواقع، يبرز واجب مهني وأخلاقي على طلاب القانون وممارسيه؛ وهو التركيز على بناء وتعزيز “الحجية القانونية” بدلاً من الانخراط في العمل السياسي أو البحث عن تسويات خلف الكواليس.

إن العمل السياسي بطبيعته يخضع لتقلبات المصالح وتضارب القوى، في حين أن الركون إلى الحجية القانونية —كما تجلى في لجوء الحقوقيين للمجلس الدستوري لإبطال القانون المعيب— هو الضمانة الوحيدة لاستقرار المراكز القانونية. حين يتحول القانوني إلى صانع تسويات سياسية، فإنه يهدر قيمة “اليقين القانوني” ويفرغ الحجية من غايتها السامية.

لذلك، فإن الشفافية، والمناقشة العلمية الرصينة، والتقاضي الاستراتيجي هي الأدوات الحقيقية للرقابة. وعلى المحامين ونقاباتهم توظيف هذه الأدوات الدستورية لرفض أي مساس بمبدأ فصل السلطات. إن الالتزام بالقواعد القانونية المجردة هو ما يضمن للمتقاضين أحكاماً عادلة مبنية على الوقائع والنصوص، بعيداً عن تأثير المرجعيات السياسية التي تسعى دوماً لتدجين القضاء وإضعاف درعه الواقي.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

تتويجاً لمسيرة الشفافية: «غربال» تطلق أضخم أرشيف رقمي للجريدة الرسمية اللبنانية كحجر زاوية في صرح المساءلة الوطنية

في لحظة فارقة تزامنت مع الاحتفاء باليوم العالمي للحق في الوصول إلى المعلومات، دشّنت مبادرة …