من نزع السلاح إلى بناء “الدولة المنافسة” وتفكيك السيادة الهجينة في لبنان

يواجه لبنان منذ عقود معضلة أمنية وسيادية معقدة، اصطدمت فيها محاولات “نزع السلاح” التقليدية بحائط مسدود، نتيجة تحول حزب الله من مجرد فصيل مسلح إلى “دولة موازية” متجذرة. يبرز اليوم توجه استراتيجي مغاير يتجاوز الطروحات الكلاسيكية، ليطرح رؤية “بناء الدولة المنافسة” وتفكيك “نظام السيادة الهجين”، عبر عملية “إعادة هندسة الهشاشة” التي جعلت من ضعف الدولة شرطاً لازدهار المنظومات الموازية.

أولاً: جذور المعضلة.. كيف بُنيت “السيادة الهجينة”؟

لم يكن صعود حزب الله وليد الصدفة، بل كان نتيجة استغلال ممنهج لـ “الفراغات” السيادية. تاريخياً، بدأت بذور تقويض احتكار الدولة للأمن مع “اتفاق القاهرة” (1969)، ثم تكرست عبر ثغرة “اتفاق الطائف” (1989) الذي نص على نزع سلاح الميليشيات، لكنه استثنى الحزب بصيغة غامضة تحت مسمى “المقاومة”. هذا الفراغ القانوني سمح بنشوء “سيادة هجينة”، حيث تشارك الدولة في الواجهة الدبلوماسية بينما يمتلك الحزب “السيادة الواقعية” وقرار الحرب والسلم بشكل مستقل.

لقد بُنيت هذه المنظومة عبر ثلاث مستويات من الشرعية:

  1. شرعية الأداء (الشعبية): ملأ الحزب الفراغ الخدمي الذي خلفته الدولة عبر مؤسسات اجتماعية وصحية وإنمائية، مما ثبّت صورته كـ “سلطة موازية” أكثر كفاءة من الدولة الرسمية، خاصة في عمليات إعادة الإعمار بعد حرب 2006.

  2. الشرعية السياسية: تمثلت في الانخراط في البرلمان والحكومة ليس فقط للمشاركة في الحكم، بل لمنع اتخاذ أي قرار سيادي بنزع السلاح، واستخدام مؤسسات الدولة كواجهة دبلوماسية تحميه من الضغوط الدولية.

  3. الشرعية الدستورية: عبر استغلال النصوص التاريخية وفرض ثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة” في البيانات الوزارية، مما أفرغ مفهوم “احتكار الدولة للعنف” من محتواه القانوني.

ثانياً: استراتيجية “هندسة الهشاشة” وتعميق العجز

تعتمد استمرارية هذا الواقع على “هندسة الهشاشة”؛ حيث لم يكتفِ الحزب باستغلال ضعف الدولة، بل ساهم في تعميقه. فإقحام لبنان في حروب متتالية (كما في 2006 و2023-2024) دون قرار سيادي، يؤدي إلى استنزاف موارد الدولة وشلل قرارها السياسي، لتتحول الحكومة من “فاعل” إلى مجرد “منسق إنساني” يتعامل مع النتائج. هذا العجز المفتعل هو ما يسمح للحزب بتقديم نفسه كـ “ضمانة وجودية” بديلة عن جيش يُراد له أن يبقى عاجزاً عن التوازن الردعي.

ثالثاً: خارطة الطريق.. الفوز في “سباق شرعية الأداء”

يتطلب كسر دائرة الولاء القائمة على الحاجة أن تتفوق الدولة على الحزب في تقديم “السلع السياسية” والخدمات الأساسية. وتتلخص محاور هذه الاستراتيجية في:

1. الاستثمار في “فراغ 2024”:
خلقت حرب 2023-2024 “نافذة فرصة تاريخية” بعد أن أحدثت الضربات الإسرائيلية فراغاً قيادياً ولوجستياً داخل بنية الحزب الصلبة. هنا، يجب على الدولة “عكس الديناميكية”؛ فبدلاً من استغلال الحزب لهشاشة الدولة، على الدولة استغلال الفراغ الحالي لفرض سيادتها وتقديم مشروع استثماري للمجتمع الدولي يربط المساعدات بإعادة بناء المؤسسات في اللحظة التي تراجعت فيها قدرة “الدولة الموازية” على المنافسة.

2. تبني “الشرطية الذكية والمتدرجة”:
يُقترح ربط حزم المساعدات الدولية الكبرى بخطوات عملية وملموسة تتخذها الدولة لبسط سيادتها على المرافق العامة (المطار، المرفأ، والمعابر)، مع تصميم مساعدات تنموية مشروطة بتقديم الدولة للخدمات مباشرة للمواطنين، لتقليل الاعتماد الشعبي على المؤسسات الموازية.

3. الفوز الميداني والخدماتي:

  • أمنياً: إثبات قدرة الجيش الفعلية على حماية الحدود وتطبيق القرارات الدولية (مثل 1701) بشكل صارم، لتقويض سردية “ضرورة المقاومة”.

  • تنموياً: إطلاق خطط شاملة تستهدف تحديداً المناطق التي تُعد معاقل للحزب (الجنوب، البقاع، الضاحية) لتقديم بدائل تعليمية وصحية وفرص عمل تتفوق على ما توفره شبكات “الدولة الموازية”.

رابعاً: تفكيك السرديات وإصلاح “العائق الطائفي”

لا يكتمل بناء الدولة دون تفكيك “الذرائع الذهبية”. يستوجب ذلك سحب مبررات السلاح عبر استكمال السيادة دبلوماسياً (ترسيم الحدود البرية وتحرير ما تبقى من أراضٍ محتلة قانونياً)، لإثبات أن الدولة قادرة على تحقيق الإنجازات السيادية دون سلاح غير شرعي. كما يجب معالجة “العائق الطائفي” الذي يجعل من السلاح “ضمانة وجودية” للطائفة، عبر تقديم ضمانات سياسية واقتصادية حقيقية ضمن إطار “دولة المواطنة”.

 من “الضمانة” إلى “العبء”

إن الهدف النهائي لهذا التحول ليس مواجهة السلاح بالسلاح، بل إفقاد السلاح وظيفته وشرعيته. فعندما تصبح الدولة قوية، عادلة، وفعالة في حماية مواطنيها وتأمين احتياجاتهم، يتحول السلاح تدريجياً من “ضمانة” إلى “عبء” سياسي واجتماعي واقتصادي.

إن “إعادة هندسة الهشاشة” هي عملية سياسية وتنموية بالدرجة الأولى، تهدف إلى بناء دولة قوية تستعيد ولاء مواطنيها عبر الأداء، مما يفرغ مشروع الدولة الموازية من مبررات وجوده ويجعله “فائضاً عن الحاجة”.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …