كنيسة “دبل” والبحث عن “الصهيوني التائه”: بين أنثروبولوجيا الجريمة وصراخ أنسي الحاج

في جنوب لبنان، وتحديداً في بلدة “دبل” الوادعة، لم يعد الصراع مجرد قذيفة وصاروخ، بل تحول إلى مختبر لـ “أنثروبولوجيا الجريمة”؛ حيث يُقتل الضحية معنوياً قبل أن يُستهدف مادياً. الحكاية بدأت بـ “سكوب” صحفي وزّعه إعلام “المقاومة” (وعلى رأسه جريدة الأخبار) يزعم تحصن جنود إسرائيليين داخل كنيسة البلدة. خبرٌ كفيل بجعل أي مسيرة “انقضاضية” تشعر بالشوق لزيارة جرس الكنيسة، لولا أن الحقيقة كانت ترتدي ثوباً آخر.

1. صناعة “المجرم” بالوصم الإعلامي

وفق أنثروبولوجيا الجريمة، هناك تكتيك يُعرف بـ “الوصم” (Labelling Theory). لكي تستبيح مساحةً ما، عليك أولاً أن تنزع عنها صفتها المدنية أو المقدسة. بادعاء وجود “صهاينة” في الكنيسة، يمارس الحزب “عنفاً رمزياً” يحول الكنيسة من دار عبادة إلى “ثكنة معادية”.

لكن “دبل” لم تصمت؛ خرجت بلديتها ببيان جاف أفسد متعة الخيال الحربي، مؤكدة أن الإسرائيلي على الأطراف، وأن القوى الأمنية اللبنانية هي من تنتشر في الداخل. بل وظهر المختار “جوزيف عطية” في فيديو من قلب كنيسة مار جرجس، ليثبت بالصوت والصورة أن الـ 1770 نسمة الصامدين في البلدة هم بشر من لحم ودم، وليسوا “دروعاً بشرية” في مسلسل درامي من تأليف “الأخبار”.

2. “حماية” المسيح من تاريخه!

في هذا السلوك الإعلامي، نلمس محاولة أنثروبولوجية غريبة: الحزب يحاول “حماية” المسيحية في الجنوب عبر تجريدها من أي احتمال للتماس مع “الآخر”. وكأن الحزب، في وعيه الباطن، يحاول حماية “يسوع المسيح” نفسه من “أصله اليهودي” ومن جغرافيته التاريخية.

بالنسبة للأيديولوجيا الملقاة على عاتقهم، يجب أن يكون المسيح “مقاومًا” حصرياً، بلا جذور تتقاطع مع أرضٍ يدّعيها العدو. لذا، فإن “اختراع” وجود إسرائيلي في كنيسة هو تدنيس لسردية “حصر الإرث” التي يمارسها الحزب على القداسة. إنهم لا يحمون جدران الكنيسة، بل يحمون “نسختهم” عن المسيح، حتى لو أدى ذلك إلى محاصرة أتباعه الحقيقيين وقصف أطراف بيوتهم.

3. “يسوع المسيح.. احضر حالاً”: صرخة أنسي الحاج المستعادة

هنا، يستيقظ نص أنسي الحاج (1967) ليصفع هذا الواقع السريالي. صرخة أنسي “يسوع المسيح احضر حالاً” هي النداء الذي يهمس به الـ 1770 صامداً في دبل اليوم وهم يشاهدون إعلام “الإخوة” يمهد لقصفهم.

يقول أنسي: “نريد أن يقول لنا أحد ماذا نفعل، أين الحقّ، لماذا يضربوننا، ويكذبون علينا، ويجوّعوننا، ويبّشعون حياتنا، ويعهّرون الحياة من بابها إلى محرابها”.
في دبل، “التعهير” هو تحويل الكنيسة إلى إشاعة أمنية، و”التبيشع” هو إجبار الناس على إثبات براءتهم من عمالة لم يرتكبوها.

يضيف أنسي بنبرته الساخرة الموجعة: “لقد سئمنا التراتيل والأناجيل… وسئمنا خصوصاً أعمال الرسل”. واليوم، يسأم أهل دبل من “أعمال المقاومة الإعلامية” التي تلبس لبوس الحرص وهي تزرع الموت. “أنت المسؤول الأول والأخير فلا تقف في ظل الأناجيل… شرف”. وكأن لسان حال أهل دبل يقول للمسيح: “تعال وشاهد كيف يتم استخدام اسمك وكنيستك كطُعم في صراع السرديات”.

4. “أرباب المائدة” والكلاب الصامدة

لقد كشفنا أنسي الحاج منذ عقود حين قال: “نحن الكلاب أحوج إليك من أرباب المائدة لأن أرباب المائدة أكثر توحشاً من هؤلاء الكلاب”.
“أرباب المائدة” اليوم هم المنظرون الذين يجلسون خلف مكاتبهم في بيروت، يوزعون شهادات الوطنية والعمالة، ويقررون أن كنيسة دبل “مستباحة” ليسهل عليهم استباحتها. أما “الكلاب” (بتعبير أنسي المتواضع)، فهم الأهالي الذين يتمسكون بتراب أرضهم ويرفضون أن يكونوا “فتاتاً” يسقط من مائدة التفاهمات الكبرى أو الحروب العبثية.

 : الشهادة كـ “فعل جرمي”

ما يفعله حزب الله تجاه دبل هو “جريمة مركبة” وفق الأنثروبولوجيا؛ فهي جريمة “تزوير واقع” تهدف إلى “تغيير ديموغرافي” أو “إخضاع سياسي”. إنهم يستخدمون “الشهادة الإعلامية” كأداة حماية مفترضة، لكنها في الحقيقة حماية “إلغائية”؛ تحميك من العدو عبر تدمير بيئتك ووصمك بالخيانة.

أهالي دبل، ببيانهم وفيديو مختارهم، أعلنوا التمسك بـ “العقد الاجتماعي” للدولة اللبنانية في وجه “العقد الميليشياوي”. لقد استغاثوا بالدولة، لأنهم يعرفون أن “المسيح” الذي يناديه أنسي الحاج لن يأتي بلحم وعظم، بل يأتي في صورة “حق” يدحض الباطل الإعلامي.

عزيزي المواطن في دبل: إذا قالوا لك “نحن نحميك”، تفقد جدران كنيستك وسلامة أطفالك، ففي قاموس أنثروبولوجيا الجريمة، “الحماية” أحياناً هي مجرد اسم حركي لـ “الاستباحة”. وكما قال أنسي: “الأمم مجنونة وبلهاء والشعوب مسحوقة… والزعماء يقتلون ويعبدون أنفسهم”. أما دبل، فستبقى تنتظر “الحق” الذي لا يحتاج إلى “إشاعة” لكي ينتصر.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …