فاتورة الحرب: استراتيجية ترامب بين “الضغط المنضبط” والزلزال الاقتصادي لصراع 2026

في مشهد جيوسياسي معقد مع حلول عام 2026، تجد الولايات المتحدة نفسها في خضم مواجهة عسكرية مع إيران، وهي مواجهة لا تُدار رحاها في الميدان العسكري فحسب، بل في أروقة البورصات وموازنات الدول. ومع عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية (يناير 2025)، بدأت إدارته في “إعادة هندسة” العلاقات الدولية لحماية الاقتصاد الأميركي من تداعيات حربٍ تتجاوز تكلفتها العسكرية المباشرة مليار دولار يومياً، مع خسائر اقتصادية كلية قد تتخطى حاجز 210 مليارات دولار.

استراتيجية ترامب: الضغط العسكري “المحسوب اقتصادياً”

تتبنى إدارة ترامب في هذا الصراع استراتيجية “الضغط العسكري المنضبط”، حيث يسعى الرئيس الأميركي إلى تحقيق أهداف استراتيجية دون هدم المعبد الاقتصادي العالمي. وفي خطوة لافتة، تعمد ترامب تجنب قصف المنشآت النفطية الإيرانية الحيوية، مثل جزيرة “خرج”، لمنع حدوث انفجار في أسعار الطاقة العالمية قد يؤدي إلى انهيار اقتصادي شامل. وبدلاً من ذلك، اقتصرت الضربات على شل القدرات الجوية والبحرية والنووية، مع استخدام “سياسة حافة الهاوية” عبر التهديد بمحو محطات الطاقة الإيرانية إن لم يتم فتح مضيق هرمز بالكامل، مع تقديم ضمانات تأمينية وحراسات بحرية لناقلات النفط لتهدئة الأسواق المذعورة.

إعادة هندسة خارطة الطاقة والتنافس مع الصين

أجبرت الحرب واشنطن على البحث عن بدائل سريعة لتأمين إمدادات الطاقة خارج منطقة الشرق الأوسط الملتهبة. وفي هذا السياق، برزت نيجيريا وأفريقيا كوجهات استراتيجية مضاعفة الأهمية. فبينما تعاني نيجيريا داخلياً من قفزة في أسعار الوقود فوق 1000 نايرا للتر، تعمل إدارة ترامب على تعزيز الوجود الأميركي هناك لتأمين تدفقات النفط، تزامناً مع تحذيرات أمنية مشددة لحماية المصالح الأميركية من أي ردود فعل انتقامية.

أما على صعيد التنافس مع بكين، فقد عقدت الحرب المشهد؛ حيث استخدم ترامب نفوذه للضغط على الصين للمساهمة في تأمين الملاحة، واصلاً إلى حد تأجيل قمة مرتقبة مع الرئيس “شي جين بينغ” كأداة ضغط. وفي المقابل، يخشى المحللون أن تستغل الصين الانشغال العسكري الأميركي لتعزيز هيمنتها في قطاع المعادن الحيوية أو الضغط على تايوان، خاصة وأن سقوط النظام في طهران قد يعني تبخر اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الصينية-الإيرانية البالغة 400 مليار دولار.

الاقتصاد الأميركي: نمو تحت التهديد وتمويل عبر “الاستدانة”

قبل اندلاع الشرارة، كان الاقتصاد الأميركي في أوج اتساعه بناتج محلي تجاوز 30 تريليون دولار في 2025. اليوم، يهدد الصراع بمحو هذه المكاسب؛ إذ تسببت صدمة النفط في رفع تكاليف الواردات بنسبة 1.3%، مع توقعات بوصول التضخم إلى 4%، مما يضع البلاد أمام خطر “الركود التضخمي”.

المثير للجدل هو كيفية تمويل هذه الفاتورة الباهظة؛ إذ تعتمد إدارة ترامب على “الاعتمادات التكميلية” وميزانيات الطوارئ التي تُموَّل عبر الاقتراض المباشر (الاستدانة)، مما يزيد من العجز المالي والدين القومي الذي تجاوز 122% من الناتج المحلي الإجمالي، بدلاً من اللجوء لزيادة الضرائب التي يرفضها ترامب صراحة.

الاستثمارات الخليجية ومأزق “القومية الاقتصادية”

شهد عام 2025 تقارباً استثنائياً بين واشنطن والعواصم الخليجية، مع وعود بضخ استثمارات تريليونية (1.4 تريليون من الإمارات، 1.2 تريليون من قطر، و600 مليار من السعودية) في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الأميركية. إلا أن الحرب وضعت هذه التعهدات في مهب الريح؛ حيث بدأت دول الخليج في تقليص وتيرة التدفقات المالية لإعطاء الأولوية لحماية اقتصاداتها المحلية.

هذا التحول نحو “القومية الاقتصادية الخليجية” خلق تحديات غير مسبوقة لمبادري الأعمال الأميركيين؛ فبينما لا تزال الأسواق الخليجية متعطشة للتكنولوجيا الأميركية، أصبح دخول الشركات الصغيرة وأصحاب المشاريع الفردية إلى هذه الأسواق أكثر صعوبة وتنافسية، حيث تُمنح الأولوية القصوى للشركات الوطنية والقدرة على الصمود المحلي أمام الصدمات.

التأثيرات الجزئية: المواطن الأميركي في قلب العاصفة

على مستوى الاقتصاد الجزئي، لم تكن الحرب مجرد أخبار في النشرات، بل واقعاً مؤلماً في جيوب المستهلكين. فقد أدى ارتفاع أسعار البنزين إلى تراجع نمو الإنفاق الاستهلاكي لأدنى مستوياته منذ عقد (باستثناء الجائحة). كما تجمدت سوق العقارات مع قفزة معدلات الرهن العقاري فوق 6.1%، مما زاد من أعباء الأسر. أما الشركات الصغيرة، فقد وجدت نفسها بين مطرقة تكاليف الشحن المضاعفة وسندان نقص المخزون، مما يهدد استمراريتها إذا طال أمد النزاع.

  أفق التعافي المجهول

بين أرباح استثنائية لشركات الدفاع والطاقة الأميركية، وخسائر فادحة لقطاعات النقل والسياحة والمستهلك العادي، يظل الاقتصاد الأميركي رهينة لمدى استمرار الحرب. فبينما يحاول ترامب إدارة الصراع بمشرط “الجراح الاقتصادي”، يحذر الخبراء من أن التداعيات الجيوسياسية طويلة الأمد قد تجعل فترة التعافي الكاملة غير واضحة المعالم، بانتظار لحظة تضع فيها الحرب أوزارها ويعود الاستقرار لمضيق هرمز وسلاسل الإمداد العالمية.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …