إيران تهدد بضرب الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط

تعيش المؤسسات الأكاديمية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط واحدة من أعقد مراحلها التاريخية، حيث لم تعد مجرد مراكز للتعليم والبحث العلمي، بل تحولت إلى “ساحات اشتباك” رمزية وميدانية في الصراع المستعر بين واشنطن وطهران. يأتي تهديد “الحرس الثوري الإيراني” الأخير باستهداف هذه الفروع كرد فعل انتقامي مباشر على ضربات طالت “جامعة إيران للعلوم والتكنولوجيا”، لكن التدقيق في خلفيات هذا التهديد يكشف عن صراع أعمق يتجاوز الرد العسكري ليصل إلى صدام بين نموذجين متناقضين للمعرفة.

1. القطيعة المعرفية: العلم التجريبي في مواجهة “أدلجة المعرفة”

تتمثل نقطة الخلاف الجوهرية في الفلسفة التعليمية التي تتبناها هذه الجامعات. فبينما تصر فروع الجامعات الأميركية في الخليج (مثل جامعة نيويورك، كارنيجي ميلون، وجورجتاون) على استيراد “النموذج الليبرالي” للتعليم الذي يفصل بصرامة بين العلم والأيديولوجيا، تسعى طهران منذ ثورتها الثقافية إلى فرض مفهوم “أسلمة العلوم”.

  • المنهج المستقل: في هذه الجامعات، يُدرس العلم كنشاط كوني محايد، محكوم بقوانين التجربة والملاحظة والنقد الأكاديمي، بعيداً عن أي توجيه ديني أو قومي. هذا الاستقلال يمثل “تحدياً وجودياً” للمنظومة الإيرانية التي ترى في العلوم الإنسانية والاجتماعية الغربية أدوات “غزو ثقافي” تهدف لتفكيك الهوية الوطنية.

  • الجامعة كأداة نفوذ: تنظر طهران إلى هذه الفروع بوصفها منصات “للقوة الناعمة” الأميركية، تهدف لتخريج نخب محلية تتبنى القيم الغربية، مما يجعل استهدافها من منظور الحرس الثوري “عملاً مشروعاً” لتقويض النفوذ الثقافي الأميركي في المنطقة.

2. شلل الأبحاث العلمية و”هجرة العقول” العكسية

لا تتوقف آثار التهديدات عند حدود القلق الأمني، بل تمتد لتضرب البنية التحتية للابتكار في المنطقة. إن وضع الجامعات تحت “المجهر العسكري” الإيراني يؤدي إلى:

  • تجميد المشاريع الحساسة: يضطر الباحثون في مجالات الهندسة الحيوية، والذكاء الاصطناعي، والطاقة النووية السلمية إلى تقليص أنشطتهم الميدانية خوفاً من أن تُفهم أبحاثهم كأنشطة تجسسية أو أن تصبح هدفاً للقصف.

  • تآكل الجاذبية الأكاديمية: يعتمد نجاح هذه الجامعات على استقطاب “النخبة” من الأساتذة والباحثين الدوليين. التهديد المباشر من الحرس الثوري (كالمطالبة بالابتعاد مسافة كيلومتر عن الحرم الجامعي) يخلق بيئة طاردة للكفاءات، ويحول هذه الجامعات من مراكز جذب عالمية إلى “مناطق خطر” يصعب إقناع العلماء بالعمل فيها.

3. الجبهة الرقمية: حرب المعلومات وسرقة الملكية الفكرية

خلف الجدران الإسمنتية للجامعات، تدور حرب غير مرئية في الفضاء السيبراني. تتعرض هذه المؤسسات لهجمات مستمرة من مجموعات مثل (APT42) المرتبطة بإيران، والتي تهدف إلى:

  • التجسس الأكاديمي: اختراق حسابات الأكاديميين المتخصصين في دراسات الشرق الأوسط والأمن الإقليمي للحصول على معلومات استخباراتية.

  • سرقة البيانات: الاستيلاء على براءات الاختراع والنتائج البحثية المتقدمة لتعويض النقص التكنولوجي الناتج عن العقوبات المفروضة على إيران.

  • فجوة الحقوق الرقمية: توفر هذه الجامعات شبكات إنترنت مفتوحة نسبياً تكسر جدار الحجب المحلي، لكن هذا الوضع يجعلها “ثغرة أمنية” في نظر الدول المستضيفة، مما يعرض الطلاب والباحثين لمراقبة مزدوجة (داخلية وخارجية) تهدد خصوصيتهم الرقمية.

4. الحريات الأكاديمية بين “المثالية الأميركية” و”الواقعية السياسية”

تعيش هذه الجامعات مفارقة حادة؛ فهي تروج رسمياً لمبادئ حرية التعبير الأميركية، لكنها تعمل تحت مظلة قوانين الدول المستضيفة التي تضع “خطوطاً حمراء” صارمة حول قضايا السياسة والدين والأمن.

  • الرقابة الذاتية: يضطر العديد من الأكاديميين لممارسة رقابة ذاتية على أبحاثهم لتجنب الصدام مع السلطات المحلية أو الوقوع في فخ التجاذبات الإقليمية.

  • المخاطر القانونية: سجلت المنطقة حالات لترحيل طلاب أو مضايقة باحثين بسبب آراء سياسية، مما يثبت أن “الحرم الجامعي” ليس جزيرة معزولة عن المناخ السياسي المشحون في الشرق الأوسط.

5. الانسحاب الاستراتيجي: نموذج “تكساس إيه آند إم” (Texas A&M)

يُعد قرار جامعة “تكساس إيه آند إم” بإغلاق فرعها في قطر بحلول عام 2028 “ناقوس خطر” لبقية الجامعات. هذا القرار، الذي برره مجلس الأمناء بـ “عدم الاستقرار الإقليمي”، يعكس تحولاً في العقلية الأميركية:

  • تقييم المخاطر مقابل العوائد: بدأت الجامعات الأم تشعر أن التكلفة الأمنية والسمعة المرتبطة بالتواجد في مناطق النزاع قد تفوق الفوائد المالية والدبلوماسية.

  • خسارة جسور التواصل: إغلاق مثل هذه المؤسسات يعني فقدان منصات نادرة للحوار العلمي بين الشرق والغرب، مما يترك الساحة فارغة للنماذج التعليمية الأكثر انغلاقاً وأدلجة.


 
إن تهديدات الحرس الثوري الإيراني ليست مجرد أزمة أمنية مؤقتة، بل هي محاولة لفرض “قطيعة” بين المنطقة والنموذج العلمي الغربي. إن مستقبل فروع الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط يعتمد الآن على قدرتها على الموازنة بين الحفاظ على نزاهتها العلمية، وتأمين حماية فيزيائية وسيبرانية لطلابها، والتكيف مع بيئة جيوسياسية لم تعد ترحب بالحياد الأكاديمي.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …