حبرية فوق الأنقاض: البابا ليون الرابع عشر والصدام الكبير مع “الترامبية” في زمن الحرب والفساد

دخل البابا ليون الرابع عشر (روبرت بريفوست) التاريخ من أوسع أبوابه في مايو 2025 كأول بابا أمريكي يتربع على عرش القديس بطرس، لتبدأ معه واحدة من أكثر الحقب تعقيداً وإثارة للجدل في تاريخ العلاقة بين الفاتيكان وواشنطن. فرغم أن الرئيس دونالد ترامب سارع بتهنئة “ابن بلده” فور انتخابه، معتبراً وصول شخصية أمريكية للبابوية شرفاً عظيماً ومكسباً سياسياً لبلاده، إلا أن هذه الحفاوة الدبلوماسية سرعان ما تبددت لتكشف عن هوة سحيقة بين “أمريكا أولاً” الانعزالية، وبين “عالمية الفاتيكان” التي تسعى لاستعادة سلطتها الأخلاقية عبر بوابة الإصلاح الداخلي والعدالة الإنسانية الشاملة.

أولاً: تطهير الهيكل.. معركة المصداقية ضد “المال الفوضوي”
منذ لحظة اعتلائه السدة البابوية، واجه ليون الرابع عشر تركة مالية ثقيلة وصفتها التقارير الدولية بأنها “مالية فوضوية” (messy finances)، حيث تداخلت فيها شبكات المصالح القديمة بانعدام الشفافية. لم يكن هذا الملف بالنسبة للبابا مجرد تحدٍ إداري، بل كان “اختباراً وجودياً” لشرعية حبريته. لقد أدرك ليون أن الكنيسة لا يمكنها أن توبخ العالم على جشعه ما لم تبرهن أولاً على أنها قادرة على الانضباط والنزاهة.
وفي مارس 2026، أظهر البابا حزماً غير مسبوق بقبوله الفوري لاستقالة الأسقف الأمريكي إيمانويل شاليتا، عقب توجيه اتهامات رسمية له بالاختلاس وتبييض الأموال في ولاية كاليفورنيا. كانت هذه الخطوة بمثابة إعلان بأن “زمن الحصانة” الكنسية قد انتهى، وأن الاتهامات المالية الجسيمة لن تُدار بصمت خلف الأبواب المغلقة. وفي جولاته وخطاباته العامة، كزيارته لإمارة موناكو، شن البابا هجوماً لاذعاً على “عبادة المال والسلطة” بين أثرياء العالم، محذراً من أن التهرب الضريبي وغسيل الأموال ليسا مجرد مخالفات تقنية، بل هما نتاج ثقافة تُقدّس النفوذ وتمنح الثروة مكانة شبه مقدسة على حساب الكرامة الإنسانية.

ثانياً: الإشكالية الفكرية.. الإصلاح كشرط مسبق للوعظ
تتبلور إشكالية البابا ليون الفكرية في إدراكه العميق بأن الحق الأخلاقي في الحديث عن العدالة العامة لا يُمنح تلقائياً، بل يُكتسب عبر “التوافق بين القول والفعل”. فهو يرى أن الأزمة ليست تقنية تتعلق بالحوكمة فقط، بل هي “أزمة حضارية” داخل المؤسسة نفسها؛ فكيف يندد بظلم المال في الخارج إذا كان بيته الداخلي متهاوناً مع الفساد؟
من هنا، دمج ليون بين مستويين: مستوى روحي يعتبر عبادة المال انحرافاً قيمياً، ومستوى مؤسسي يفرض قواعد امتثال ورقابة صارمة. بالنسبة له، الشفافية ليست “تجميلاً إدارياً” بل هي شرط لاستعادة المصداقية العامة. لذا، فإن طرد الأساقفة الفاسدين في كاليفورنيا هو في جوهره جزء من معركة واحدة تهدف لمنح الفاتيكان السلطة الأخلاقية لمخاطبة أباطرة السياسة والمال من موقع قوة ونزاهة.

ثالثاً: الصدام الجيوسياسي.. طبول الحرب على إيران
انتقل التوتر بين الفاتيكان والبيت الأبيض من أروقة البنوك إلى ساحات القتال المشتعلة في فبراير 2026، مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية الشاملة على إيران. ومع شن ضربات جوية وبرية واسعة طالت أهدافاً في 24 محافظة إيرانية، وشملت اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي بهدف “تغيير النظام”، برز تناقض صارخ في الرؤى.
بينما صرح ترامب بوضوح أن الحرب ضرورة استراتيجية لإنهاء سياسة طهران المعادية، أطل البابا من شرفة القديس بطرس ليطلق نداءً عاجلاً للأطراف بتحمل “المسؤولية الأخلاقية لوقف دوامة العنف قبل التحول إلى هاوية لا يمكن إصلاحها”. انتقد البابا بشدة عودة منطق الهيمنة المسلحة، معتبراً أن “الحرب عادت لتصبح رائجة” ومحذراً من دمار يمثل “فضيحة للإنسانية”. وفي أواخر مارس 2026، قدمت إدارة ترامب عبر وسطاء مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر “خطة سلام من 15 نقطة” تضمنت شروطاً قاسية كالتفكيك النووي الكامل والسيطرة على مضيق هرمز تحت تهديد الإبادة العسكرية. رفض البابا هذا المنطق “القسري”، وبدأ حراكاً دبلوماسياً موازياً شمل استقبال قادة مثل الرئيس النمساوي ألكسندر فان دير بيلين، والتنسيق مع وسطاء في عُمان ومصر وتركيا، مؤكداً أن السلام لا يُبنى بفرض الشروط تحت وطأة السلاح واستغلال الدمار، بل عبر العدالة والتعايش السلمي.

رابعاً: مأساة الـ 93 مليوناً.. القتل بالدمار والمنع من اللجوء
أدت آلة الحرب المستعرة إلى تفاقم أزمة نزوح كبرى طالت شعباً يبلغ تعداد سكان 93 مليون نسمة، وهنا تحولت قضية اللاجئين إلى جبهة الخلاف الأكثر حدة. فبينما كان القتل والدمار الواسع يطال الضحايا العزل، سارعت إدارة ترامب بقيادة “صقور الهجرة” مثل نائب كبير موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر ووزير الدفاع بيت هيجسيث، لفرض سياسة “الإغلاق الشامل”. تعهدت الإدارة بعدم السماح بدخول أي لاجئ إيراني أو شرق أوسطي إلى الأراضي الأمريكية، محذرين من “الامتداد الديموغرافي” للصراع وتأثيره على الهوية الوطنية.
هذا الموقف الانعزالي الصارم اصطدم وجهاً لوجه مع الموقف الأخلاقي للبابا ليون، الذي يعتبر إغلاق الأبواب في وجه الفارين من الموت والدمار “خطيئة بحق العائلة البشرية”. انتقد البابا بشدة الصمت الدولي أمام معاناة المشردين، مما دفع أنصار ترامب لوصفه بتبني توجهات “ماركسية” مشابهة لسلفه. بالنسبة للبابا، تحولت أزمة الضحايا الإيرانيين إلى جبهة صراع عمّقت الخلافات الدبلوماسية، حيث يرى أن الصمت عن هذه المأساة هو تواطؤ مع آلة الحرب، معتبراً أن “سياسة الخوف” التي ينتهجها البيت الأبيض تتناقض جوهرياً مع القيم المسيحية والإنسانية.

خامساً: الجرائم ضد الإنسانية.. الدعارة والاتجار بالبشر كأدوات تدمير مجتمعي
وفي خضم هذه الأزمات المتشابكة، يبرز موقف البابا ليون الرابع عشر الحازم تجاه بُعد آخر من الجرائم التي تتغذى على الفساد والحروب، وهو شبكات الدعارة والاتجار بالبشر، التي وصفها في رسالته لليوم العالمي الثاني عشر للصلاة والتوعية (فبراير 2026) بأنها “جرم خطير ضد الإنسانية”. وقد سلط البابا الضوء بدقة على ظاهرة حديثة ومروعة أسماها “العبودية السيبرانية” (Cyber-slavery)، حيث يتم الإيقاع بالضحايا داخل “مراكز احتيال” ضخمة وشبكات جريمة رقمية عابرة للحدود. ولا ينظر البابا إلى هذه الآفات بوصفها مجرد استغلال كلاسيكي للمستضعفين فحسب، بل يندد بشدة بتحويلها إلى أدوات مخابراتية ورقمية تُستخدم للابتزاز والاختراق الأمني ولتمويل الجريمة المنظمة، بغض النظر عن الجهة أو النظام الذي يستخدمها لخدمة أجنداته. ويُحذّر البابا من أن “المنطق نفسه القائم على الهيمنة وازدراء الحياة البشرية، يغذّي للأسف آفة الاتجار بالبشر”. وتكمن الخطورة الكبرى لهذه الممارسات في تأثيرها السرطاني المدمّر على البيئات الاجتماعية بمختلف مكوناتها؛ فهي تفتك بالنسيج الأسري وتضرب المجتمعات وتطال ضحايا من كل الأديان والخلفيات دون تمييز، حيث يؤكد البابا أن “الاضطرابات الجيوسياسيّة والصّراعات المسلَّحة تهيِّئ أرضًا خصبة للتجَّار الذين يستغلّون الأشدّ ضعفًا، ولا سيّما النّازحين والمهاجرين واللاجئين”. ويعتبر ليون أن استغلال أجساد البشر وتحويلهم إلى سلع أو بيادق استخباراتية ورقمية يمثل أبشع صور السقوط الأخلاقي، مشدداً على أن “السلام الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالكرامة التي منحها الله لكل إنسان وحمايتها” ، ومؤكداً أن حماية الكرامة الإنسانية من هذه الشبكات المظلمة هي معركة مقدسة تتجاوز الحدود، وتتكامل مع حربه الشاملة ضد الاستغلال المالي والسياسي وتدمير الشعوب.

الخاتمة: حبرية الشفافية في مواجهة إمبراطورية القوة
إن المواجهة بين البابا ليون الرابع عشر والرئيس دونالد ترامب في عام 2026 تمثل صداماً بين فلسفتين متناقضتين تماماً؛ فلسفة ترامب التي تُمجّد “القوة والصفقات والحدود المغلقة”، وفلسفة البابا التي تحاول بناء “أخلاق عالمية” تقوم على الشفافية والمسؤولية الجماعية والرحمة.
يخوض البابا ليون معركة مزدوجة: معركة داخلية لتطهير المؤسسة الكنسية من إرث تبييض الأموال والفساد المالي لضمان “نظافة اليد” التي ستمتد للمساعدة، ومعركة خارجية ضد “تبييض الحروب” وسياسات الإقصاء. وفي عالم تمزقه الصواريخ في إيران وتغلقه القوانين في واشنطن، يظل البابا ليون رابع عشر يحاول إثبات أن “الصدقية” هي السلاح الوحيد الذي يمكنه الوقوف في وجه القوة الغاشمة، مؤكداً أن بناء عالم أكثر عدلاً يتطلب أولاً مؤسسات تمتلك الشجاعة لإصلاح نفسها قبل أن تطلب من العالم أن يتغير.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …