سادية التكرار وتدنيس الوعي: “د. كالين زعيتر” ونموذج الإبادة الرقمية للنخبة اللبنانية

بقلم: وحدة التحليل الأنثروبولوجي والإعلامي

في قلب الفضاء الرقمي اللبناني المشحون، تبرز قضية “إيميلات د. كالين زعيتر” ليس كفضيحة أخلاقية عابرة، بل كعملية “إرهاب بصري ممنهج” تستخدم الجسد واللقب الأكاديمي والتقنية الحديثة لتنفيذ إعدام معنوي عابر للحدود الشخصية. هذه الحملة، التي تستهدف حصراً ناشطين، إعلاميين، ومفكرين، تتجاوز إيذاء الضحية المفترضة لتصل إلى “تدنيس المتلقي” نفسه وإجهاده نفسياً.

1. تدنيس “المحراب الرقمي”: الانتهاك القسري للمتلقي

في الأنثروبولوجيا، يُعتبر البريد الإلكتروني (Inbox) للنخبة والمفكرين بمثابة “محراب رقمي” أو مساحة عمل مقدسة مخصصة لتبادل الأفكار والمشاريع. تعمد هذه الحملة إلى “تدنيس” هذه المساحة عبر الإغراق بصور جنسية متطرفة (تصل إلى حد الجنس مع الحيوانات).
هنا، لا يعود المتلقي مجرد مشاهد، بل يصبح “شريكاً قسرياً” في المشهد. الجاني يجبر النخبة اللبنانية على ممارسة “الاستلاب البصري”؛ فالمتلقي يجد نفسه مضطراً لفتح الإيميل بحكم العمل، ليصطدم بـ “القذارة” في أشد صورها حيوية. هذا الفعل هو اعتداء على “طهارة الوعي” لدى المفكر والناشط، ومحاولة لجرّ خياله المهني إلى “أقبية الغريزة المشوهة”.

2. سيكولوجية “إجهاد القذارة”: التكرار كأداة للملل والنبذ

المفارقة الكبرى في هذه الحملة هي “كثافة التكرار”. من منظور أنثروبولوجيا الجريمة، يهدف التكرار القهري إلى إحداث حالة من “الملل التقززي”.
عندما يتلقى الإعلامي أو الناشط عشرات الإيميلات التي تحمل نفس المحتوى الصادم، يتحول الشعور من “الصدمة” إلى “الإجهاد والملل”. هذا الملل هو أخطر أدوات الاغتيال المعنوي؛ لأنه يدفع المتلقي -لا شعورياً- إلى ربط اسم “د. كالين” بـ “الإزعاج والقذارة”. الهدف هنا هو أن “يملّ” المجتمع من الدفاع عنها أو حتى التعاطف معها، فتصبح الضحية في نظر النخبة “حملاً ثقيلاً” و”مصدر تلوث” إلكتروني يجب التخلص منه بالحظر والتجاهل، وهو أعلى درجات “النفي الاجتماعي”.

3. صدام “الأكاديميا والحيوانية”: تحطيم الرموز

الأستاذة الجامعية في الثقافة اللبنانية هي رمز للتربية والتعالي المعرفي. استخدام صور “الجنس مع الحيوانات” (Zoophilia) هو ذروة استراتيجية التدنيس. الجاني هنا لا يريد فقط اتهام الضحية بالرذيلة، بل يريد نزع صفتها الإنسانية وربط “العقل الأكاديمي” بـ “البهيمية”. هذا التناقض الصارخ يخلق حالة من “الارتباك القيمي” لدى المتلقي؛ فالمفكر الذي يقرأ لـ “دكتورة” يجد نفسه أمام “مشهد حيواني”، مما يؤدي إلى تآكل هيبة “اللقب العلمي” في الوعي الجمعي اللبناني.

4. مفارقة “الضحية المشاركة”: الانتحار الرمزي المزدوج

تزداد القضية تعقيداً عند طرح فرضية “مشاركة الضحية” في إنتاج المحتوى. إنثروبولوجياً، إذا كانت الضحية مشاركة فعلياً، فنحن أمام حالة “انفصام اجتماعي حاد”.
هذا الاحتمال يحول القضية من “ابتزاز” إلى “رسالة انتحارية” موجهة للنخبة. الجاني (أو الضحية في حال مشاركتها) يقول للمجتمع: “هذا هو وجهكم الآخر”. مشاركة امرأة أكاديمية في أفعال “بهيمية” هي ضربة قاضية لـ “العقد الاجتماعي” اللبناني الذي يقوم على الحفاظ على المظاهر. إنها محاولة لإثبات أن “الفساد” ليس سياسياً فحسب، بل هو “فساد وجودي” يطال النخبة في أخص خصوصياتها.

5. الاستهداف “الفلكي”: الحرب بالوكالة ضد النخبة

استهداف ناشطين وإعلاميين يدورون في “فلك واحد” يوحي بأن الحملة هي “عملية استخباراتية صغرى”. الجاني يريد إيصال رسالة لكل من يعمل في الحقل العام: “نحن نملك مفاتيح غرفكم، وبإمكاننا تحويل حياتكم إلى عرض بورنوغرافي حيواني يُوزع على زملائكم”.
الضحية (د. كالين) هنا هي “المادة المتفجرة”، بينما المتلقون (النخبة) هم “أهداف الشظايا”. الهدف النهائي هو إحداث حالة من الذعر الأخلاقي والشلل في شبكة العلاقات المهنية والسياسية لهذه النخبة.

  ما وراء الصور الصادمة

إن حملة “الإيميلات الكثيفة” ضد د. كالين زعيتر هي جريمة “سادية رقمية” مكتملة الأركان. إنها لا تستهدف “جسد” الضحية فحسب، بل تستهدف “وعي” المتلقي و”هيبة” الأكاديميا و”تراسك” النخبة اللبنانية.
إن مواجهة هذه الحملة تتطلب من الإعلاميين والناشطين تجاوز حالة “التقزز والملل” لفهم الأبعاد التدميرية التي تسعى لتحويل “الفضاء العام” إلى “مستنقع رقمي”. وسواء كانت الضحية مشاركة أو ضحية مؤامرة، فإن الرسالة الأخطر تظل في “استباحة الوعي” وإجبار المجتمع على مشاهدة سقوط رموزه في “قاع الحيوانية” عبر شاشة البريد الإلكتروني.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …