حين يشتري السياسي العلم: من نهب المال العام إلى تبييضه بالشركات والعقارات والجامعات

لم يعد الفساد السياسي مجرد اختلاس مباشر للمال العام أو توزيع للمغانم عبر الزبائنية، بل صار منظومة أكثر تطوراً تُقدَّم فيها السرقة بوصفها إصلاحاً، ويُعاد فيها تسويق النهب بلغة الخبرة والدراسات والسياسات العامة.
في هذه المنظومة، لا يظهر السياسي الفاسد كمخالف للقانون، بل كراعٍ للعلم والتنمية، يموّل مراكز أبحاث وكراسٍ جامعية وتقارير تقنية تمنحه الغطاء الذي يحوّل مصلحته الخاصة إلى ما يشبه “الحاجة الوطنية”.

دورة النهب والتبييض

تبدأ الحلقة عندما يُسحب المال العام عبر عقود مصممة على قياس شبكة سياسية ـ اقتصادية، ثم يُنقل جزء من العائدات إلى شركات واجهة أو شركات وهمية (Shell Companies) تُستخدم لإخفاء صاحب المنفعة الفعلي وفصل المال عن مصدره الأصلي.
بعد ذلك تدخل العقارات والمشاريع الكبرى كأفضل مساحة لإدماج الأموال في الاقتصاد الرسمي، سواء عبر شراء أصول مرتفعة القيمة، أو عبر تضخيم الأسعار والفواتير، أو عبر نقل الملكية بين شركات مرتبطة بالشبكة نفسها.
هذا النمط ليس محلياً فقط؛ فقد أظهرت تحقيقات ودراسات أوروبية أن غسل الأموال عبر العقارات والشركات الواجهة يشكّل مساراً رئيسياً لإعادة تدوير الأموال القذرة داخل الاقتصاد المشروع، مع تقديرات بمليارات الدولارات تُغسل سنوياً عبر شبكات عابرة للحدود.

المستفيد الحقيقي

هنا يظهر مفهوم المستفيد الحقيقي: ليس الشخص الذي يظهر اسمه على الورق، بل الشخص الذي يسيطر فعلياً على الشركة أو الصفقة أو الأصل العقاري ويحصد عائدها النهائي، حتى لو اختبأ خلف مساهمين صوريين أو محامين أو مسؤولي شركات في ملاذات ضريبية.
السياسي الفاسد نادراً ما يضع اسمه مباشرة على شركة الخصخصة أو المشروع العقاري، لأنه يعلم أن بقاءه خارج السجل الظاهر يمنحه الحماية القانونية وهامش الإنكار السياسي.
لذلك، فإن المستفيد الحقيقي هو العقل الذي يربط كل الحلقات: ينهب المال العام أولاً، يمرّره عبر شركة الواجهة، يستحوذ على العقار، وهو من يمول لاحقاً الدراسة الأكاديمية التي تُشرعن هذا الاستحواذ.

العلم كغطاء متطور

لكن المال وحده لا يكفي لتمرير هذه الدورة، لأن كل عملية نهب كبيرة تحتاج إلى شرعية عامة تُربك الرأي العام وتخفف الضغط الرقابي، وهنا تبدأ “الخصخصة المعرفية”.
تُنتَج دراسات تتحدث عن الكفاءة، وتحرير السوق، وجذب الاستثمار، وتُقدَّم الخصخصة أو إعادة توزيع الأصول العامة كحل وحيد، بينما تكون النتيجة الفعلية نقل الموارد إلى الشركات التي تخفي المستفيد الحقيقي نفسه.
وبهذا المعنى، لا يشتري السياسي الصمت فقط، بل يشتري أيضاً اللغة التي يُعاد بها تعريف الجريمة: فتصير شركة الواجهة “مستثمراً دولياً”، والعقار المغسول “نهضة عمرانية”، والصفقة المشبوهة “توصية خبراء”.

تخريب الجامعات وافتعال الصراع مع الصحافة الاستقصائية

الأخطر أن الجامعة أو مركز الأبحاث لا يعودان هنا مجرد مؤسسة صامتة، بل يتحولان إلى جزء من البنية التشغيلية للفساد عندما يرتبط التمويل والترقي والظهور العام بالمصالح السياسية لا بالاستقلال العلمي.
عندها لا تكون وظيفة الدراسة فهم الواقع، بل هندسة القبول به، ولا تكون وظيفة الورقة البحثية اقتراح حل قابل للتنفيذ، بل تجميد البدائل الحقيقية أو اختطافها وإفراغها من مضمونها وتحويلها إلى وثائق أنيقة لا تغيّر شيئاً على الأرض.

ولحماية هذه الدورة المغلقة، تلجأ الشبكة الفاسدة إلى استخدام الأكاديميا كأداة هجومية ضد الصحافة الاستقصائية. عندما يستخدم الصحفيون الاستقصائيون قواعد البيانات مفتوحة المصدر (OSINT) أو قوانين حق الوصول إلى المعلومات لتتبع أموال الفساد وكشف “المستفيد الحقيقي” ، تتدخل المؤسسات الأكاديمية المتواطئة بطريقتين:

  1. حجب المعلومات عبر احتكارها البحثي: تستغل الشبكة الفاسدة نفوذها لضمان أن قواعد البيانات المهمة (مثل سجلات العقارات والشركات والعقود الحكومية) تُمنع عن الصحافة بحجة “السرية التجارية” أو “الأمن الوطني”، بينما تُمنح حصرياً لـ”لجان بحثية” جامعية موالية. تقوم هذه اللجان لاحقاً بإصدار البيانات في تقارير مُجمّعة ومُفرغة تماماً من الأسماء والمسؤوليات الفردية، مما يقتل القصة الصحفية ويحمي المستفيدين.

  2. شراء “المصداقية المضادة”: حين تنشر الصحافة تحقيقاً استقصائياً مدعوماً بالوثائق حول صفقة فساد، يوعز السياسي لمراكز الأبحاث بإصدار دراسات تستخدم لغة منهجية معقدة لتسخيف العمل الصحفي ووصفه بأنه “غير علمي” أو “مبني على انطباعات”. وفي بعض الحالات، تقمع إدارات الجامعات وسائل الإعلام مباشرة وتمنعها من نشر المعلومات عن سوء الإدارة، وتقوم بضخ معلومات مضللة لضرب مصداقية التحقيق الصحفي.

وهكذا تُستخدم الأرباح التي خرجت من النهب، ثم مُرِّرت عبر الشركات والعقارات، في تمويل معرفة جديدة تبرر جولات لاحقة من النهب وتخرس الصحافة، فتغدو الجامعة شاهد زور مختوماً وحارساً للمعلومات، بدلاً من أن تكون سلطة نقدية تدعم كشف الحقيقة.

من يربح في النهاية؟

المستفيد الحقيقي في نهاية هذه الدورة ليس شركةً منفصلة ولا باحثاً منفرداً ولا مستثمراً غامضاً، بل شبكة مصالح يقودها سياسي أو أكثر، وتتشابك فيها الواجهات التجارية مع الوسطاء العقاريين والإعلاميين والأكاديميين.
هو الذي يربح من الخصخصة، ثم من تبييض العائدات، ثم من الدراسة التي تمنحه شرعية إضافية لجولة جديدة من السيطرة على المال العام، بينما تُترك الصحافة الاستقصائية معزولة ومُحاربة بـ”سلاح العلم المزوّر”.
ولهذا فإن أخطر ما يفعله السياسي الفاسد ليس فقط سرقة المال العام، بل إخفاء نفسه كمستفيد حقيقي، ثم استخدام العلم والمؤسسات لتقديم هذا الإخفاء بوصفه حوكمة حديثة وتنمية وإصلاحاً.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …