الإلغاء الوجودي: حين تمنح الشركات “إرث الضحية” لمن ساهم في تحطيمها

تمثل القوانين الحديثة التي تُجرّم طرد الموظفة بسبب ما يُسمى “إزعاج عائلتها” نقلة نوعية في فلسفة التشريع المعاصر. فبعد عقود من النظر إلى العلاقة الوظيفية كعلاقة نفعية بحتة تُحكم بمبدأ حماية “هدوء المؤسسة”، أدرك الفكر السوسيولوجي والقانوني أن هذا المنطق التقليدي يتحول في حالات العنف الأسري إلى أداة تدميرية تمنح المعنِّف مكافأة على عدوانه. إن طرد الضحية ليس مجرد إجراء إداري، بل هو فعل “تواطؤ” يجعل المؤسسات الاقتصادية مكملاً لخطط المعنِّف في سحق استقلالية المرأة.

أولاً: أناتومي التدمير المهني.. تكتيك “الامتداد” (Spillover)

يعرف المعنِّف أن الوظيفة هي “مساحة السيادة” الوحيدة للضحية، لذا يعمد إلى تكتيك يُعرف بـ “امتداد العنف إلى مكان العمل”. يبدأ هذا التكتيك بـ “الإنهاك الإداري” عبر الاتصالات المتكررة والتشهير المدروس، وصولاً إلى افتعال “مشاهد درامية” في مقر الشركة لإحراج الضحية أمام زملائها.

الهدف هو تحويل الضحية من موظفة منتجة إلى “مشكلة مؤسسية”. وحين تستجيب الشركة لهذا الضغط بالفصل “تجنباً للمشاكل”، فهي فعلياً تنفذ الجزء الأخير من خطة المعنِّف: حرمان الضحية من موردها المالي لإجبارها على العودة إلى “بيت الطاعة” أو الرضوخ التام.

ثانياً: ذروة التدمير.. “الاستبدال العائلي” كجريمة إحلال

في حالات أكثر خبثاً وتواطؤاً، يبرز تكتيك “الإحلال المهني العائلي”؛ وهو أن تقوم الشركة بفصل الموظفة تحت ضغط العائلة، ثم تقوم بتوظيف أحد أفراد تلك العائلة (أخ، زوج، أو ابن عم) مكانها.

هذا الإجراء يمثل أبشع صور العنف الاقتصادي والرمزي لعدة أسباب:

  1. مكافأة المعتدي: الشركة هنا لا تكتفي بمعاقبة الضحية، بل تمنح “الغنائم” المالية للمعنِّف أو من يمثله، مما يكرس سلطة العائلة المالية والرقابية.

  2. الإلغاء الوجودي: استبدال الموظفة بقريبها في نفس المؤسسة هو عملية “إلغاء للهوية”؛ حيث تُشطب الضحية مهنياً ويُمنح إرثها الوظيفي لمن ساهم في تحطيمها.

  3. الحصار الكامل: يصبح المعنِّف هو “صاحب السيادة” في البيت والعمل معاً، مما يغلق أي نافذة للنجاة أمام المرأة، ويجعل الشركة شريكاً مباشراً في عملية “الاستعباد الحديث”.

ثالثاً: التحول القانوني.. من “الراحة” إلى “واجب الحماية”

لتصحيح هذا الخلل، بدأت المنظومات القانونية (وصولاً إلى الاتفاقيات الدولية) في تغيير قواعد اللعبة:

  • اتفاقية منظمة العمل الدولية 190 (C190): أول معاهدة دولية تعترف بأن العنف الأسري يؤثر على التوظيف، وتُلزم الدول بمنع أي إجراء انتقامي (مثل الفصل) ضد الناجيات. واعتبرت أن الشركة ملزمة بدعم الضحية (تغيير ساعات العمل، إجازات مدفوعة) بدلاً من التخلص منها.

  • حظر التمييز والانتقام: في قوانين دولية عديدة (كندا، أستراليا، وبعض الولايات الأمريكية)، يُعتبر طرد موظفة لأن عائلتها تفتعل المشاكل فصلاً تعسفياً وتمييزياً يُعاقب عليه القانون بتعويضات ضخمة.

  • أوامر الحماية الممتدة: في القانون اللبناني (293/2014) وغيره، يمكن للقاضي إصدار أمر حماية يمنع المعنِّف من الاقتراب من “مكان العمل”. هنا تتحول المسؤولية: فإذا اقترب المعنِّف، تتدخل الشرطة فوراً، ولا يُسمح للشركة بالتحجج بـ “الإزعاج” لفصل الموظفة.

رابعاً: المسؤولية القانونية والأخلاقية للمؤسسات

حين تتواصل الجمعيات الحقوقية مع أصحاب العمل، فإنها تضعهم أمام حقيقتين:

  1. الفصل التعسفي: طرد الموظفة بسبب أفعال طرف ثالث (المعنِّف) هو “تعسف في استعمال الحق”. فالشركة تعاقب الضحية على جريمة وقعت عليها، وهذا يفتح باباً لدعاوى قضائية خاسرة للشركة.

  2. التواطؤ الجنائي غير المباشر: في حال استبدال الضحية بفرد من عائلتها، تضع الشركة نفسها في موقف “المسهّل” لجريمة العنف الاقتصادي، وهو ما قد يُستخدم ضدها في المحاكم الحقوقية لتشويه سمعتها المؤسسية (Brand Damage).

 

إن مكان العمل يجب أن يكون الملاذ الآمن الأخير للمرأة المعنَّفة، وليس المسرح الذي تُستكمل فيه فصول الجريمة ضدها. إن تحويل الضحية إلى “عبء” هو تكتيك عالمي، ومواجهته تقتضي تحول الإدارة من دور “المتفرج الهارب” إلى دور “الشريك الحمائي”.

على الشركات أن تدرك أن صمودها أمام تهديدات عائلة الموظفة ليس مجرد فعل أخلاقي، بل هو التزام قانوني يمنع تحويل سوق العمل إلى أداة لابتزاز النساء وكسر استقلالهن. فمن يطرد ضحية ليُرضي معنِّفها، لا يحمي شركته، بل يهدم أسس العدالة في مجتمعه.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …