الرسمة لبيا معوض

جسد المرأة: “عُهدة” عائلية، صفقة خاسرة، وقنبلة موقوتة تنتظر التفجير!

أهلاً بكِ في عالم العجائب السوسيولوجية، حيث جسدكِ ليس ملكاً لكِ، بل هو “مشروع استثماري” تديره هيئة مديرين تتكون من العائلة، الجيران، وحارس البناية، وصولاً إلى أبناء عمومتكِ الذين لم تلمحيهم منذ عقدين. في هذا السياق السريالي، لا تُعاملين كإنسانة لها جهاز عصبي ودورة دموية، بل كـ “طرد بريدي” أو “عُهدة” ثقيلة، تتوتر أعصاب القبيلة بوجودها، وتنتظر لحظة “تسييلها” وتمريرها لبيت الزوج لتغلق ملف القلق للأبد تحت شعار “تخليص مصالح العائلة”.

بورصة الشرف.. حيث يُعلق مصير القبيلة بـ “خلايا بيولوجية”!

من المثير للسخرية السوداء أن تجد عائلة مدججة بالشوارب الغليظة والعضلات المفتولة، ومع ذلك يرتجف كيانها وتنهار هيبتها أمام “خلايا بيولوجية” مجهرية في جسد أنثى. لقد تحول “الشرف” من قيمة أخلاقية سلوكية إلى مسألة ميكانيكية بحتة تتعلق بغشاء.
ولهذا السبب، يظهر الزواج المبكر كـ “خطة خروج” عبقرية؛ فبدلاً من استثمار العائلة في تعليمكِ أو صحتكِ، يفضلون “تخليص مصالحهم” منكِ عبر نقل ملكية المسؤولية إلى رجل آخر في أسرع وقت ممكن. المنطق هنا بسيط ومقزز: جسدكِ هو “رأسمال رمزى”، والزواج المبكر هو عملية بيع سريعة قبل أن تنخفض قيمة السهم أو –لا قدر الله– يقرر الجسد أن يتصرف ككيان حر!

الطب والحميمية.. “المهمة المستحيلة” تحت رقابة العائلة

عندما يتعلق الأمر بصحتكِ الحميمة، تتحول المسألة إلى فيلم تجسس. الفحوصات الطبية الدورية؟ مسحة عنق الرحم؟ الاطمئنان على التوازن الهرموني؟ “يا لقلة الحياء!” ستقول لكِ الثقافة السائدة. فالعناية بصحتكِ تُفسر فوراً على أنها اهتمام مشبوه بما يجب أن يظل مخفياً تحت ركام الخجل.
الخصوصية هنا ليست حقاً إنسانياً، بل هي “عدو” للمنظومة؛ لأنكِ إذا امتلكتِ خصوصيتكِ ومعرفتكِ الطبية، ستدركين أن جسدكِ ليس ساحة معارك للآخرين. الشريك في هذه المنظومة غالباً ما يُستدعى ليكون “سجاناً” لا شريكاً، فتتحول الحميمية من تواصل إنساني راقٍ إلى “واجب منزلي” يهدف لإثبات الفحولة وضمان السلالة، بينما تظل احتياجاتكِ وصحتكِ الجسدية تفصيلاً غير مدرج في جدول أعمال “المصلحة العامة”.

الانتحار المالي: كيف يغتال “حراس الشرف” ميزانية العائلة؟

بينما تظن العائلة أنها تمارس “ذكاءً اقتصادياً” بتزويج ابنتها مبكراً لتوفير طبق طعام، فإنها في الواقع تمارس عملية تخريب مالي متعمد.

  • أولاً: خسارة الرأسمال البشري: إنهم يتخلصون من “طبيبة” أو “مهندسة” أو “مبدعة” محتملة كانت قادرة على انتشال العائلة من الفقر، ليحولوها إلى “مُعالة” في بيت آخر. إنها أغبى صفقة تجارية: بيع المنجم لشراء رغيف خبز!

  • ثانياً: فاتورة الخجل الباهظة: العائلة التي ترفض إجراء فحص دوري لابنتها بدعوى “الحياء”، هي نفسها العائلة التي ستضطر لاحقاً لبيع “الأخضر واليابس” لعلاج مرض وصل لمراحله المتأخرة كان يمكن تلافيه بمسحة بسيطة. الخجل في مجتمعاتنا له ثمن باهظ يُدفع كاش في ردهات المستشفيات. فالوقاية التي تخدش “برستيج” الوصاية، أرخص بكثير من جراحات استئصال الأورام الناتجة عن الإهمال.

إما “السترة” أو “الفئران”.. ديمقراطية الغابة!

تصل السخرية إلى ذروتها عندما تقرر المرأة أن جسدها ليس “عملة” لتبادل المصالح. هنا، تسقط أقنعة “المودة” وتظهر الأنياب. إذا رفضتِ أن تكوني “جسر عبور” لتحالفات عائلية، ستجدين نفسكِ خارج الحسابات تماماً.
العبارة القاسية “نرميها للفئران” تجسد مآل المرأة التي تتمرد على “بورصة المصالح”. العائلة التي كانت تدعي حمايتكِ، مستعدة للتخلي عنكِ مادياً وعاطفياً وتجريدكِ من أبسط حقوق الرعاية إذا لم “تبيعي” جسدكِ في سوق الزواج الذي خططوا له. الجسد الذي لا يخدم مصالح العائلة، هو في نظرهم جسد “تالف” لا يستحق الاستثمار.

الخاتمة: ثورة الخصوصية ضد “السمسرة” الاجتماعية

إن ما تسميه المنظومة “ستراً” هو في الحقيقة “حجباً” لحقوقكِ، وما تسميه “مصلحة العائلة” هو في الغالب “أنانية ذكورية” مغلفة بالأعراف.
إن التمسك بخصوصيتكِ الطبية، والإصرار على فهم جسدكِ وحمايته بالفحوصات والعلم، هو فعل ثوري بامتياز. جسدكِ ليس “عقاراً” مسجلاً باسم العائلة، وليس “شركة” يتقاسم أرباحها الآخرون. إنه أنتِ، بكل كرامتكِ التي لا تقبل القسمة على “مصالح” أحد.

تذكري دائماً: صحتكِ وخصوصيتكِ ليستا رفاهية، بل هما “دراسة الجدوى” الوحيدة الناجحة لحياة كريمة. فالعائلة التي لا تحترم خصوصية جسدكِ، لا تستحق أن تدعي حمايتكِ.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

تلفيق واقع واحد …. عقل مجنِد مريض

هدية الى سيمون كشر، فادي سعد، وربيع الشاعر وعموم العوائل   ليس خيالاً مريضا حبيب يونس… …