في الكواليس المظلمة التي تُدار فيها السياسة اللبنانية، عولجت الجريمة السياسة في لبنان كانها مبنية على رأي ونشاط سياسي . الا ان الفاعل لم يفكر الا انه يقتل في مدار اقتصادي والسياسة وسيلة. والواقع ملعب. والفكرة تؤطر. هكذا فقط يمكن ايقاف النزيف اللبناني.
تبرز أحياناً معادلات تتجاوز منطق “الخصومة” التقليدي في هذا الواقع ، لتدخل في طور “الهندسة الجنائية للعلاقات”. وفي ظل انهيار مؤسسات الدولة وتمدد اقتصاد الظل، لم تعد اللعبة تقتصر على النفوذ السياسي، بل تحولت إلى بنية تحتية متكاملة لصناعة الفخاخ. ما تكشفه الوقائع ليس مجرد مناورة إعلامية، بل هو مخطط منهجي لعزل الشخصيات، وتحويلها إلى “جسور ملغومة” تقود في نهايتها إلى تصفية الحسابات بالرصاص أو بالاغتيال المعنوي. في هذا المشهد، يلتقي طموح “المايسترو” الإعلامي، بخرق “الوكيل” الأمني، وبجشع “مبيض الأموال”، لإنتاج “مفرمة” تبتلع الجميع. كي لا تتكرر الجرائم . ولايقاف النمط. هذه هي الخلاصة.
أولاً: التفريغ الاجتماعي والعزلة القاتلة
تبدأ العملية بما يشبه “الجراحة الاجتماعية” التي يجريها إعلامي يمتلك “تكتلاً” من العلاقات العابرة للاصطفافات (بين خط فرنجية، الوسط، و14 آذار). الهدف هو شخصية تحمل فكر 14 آذار، لكن المطلوب هو “نزع سلاحها الاجتماعي” عبر آليات مدروسة:
-
الجيوش الإلكترونية والحرب النفسية: تسبق العزلة الواقعية حملة اغتيال معنوي ممنهجة عبر منصات التواصل، لتهشيم صورة الهدف وتصويره كعبء سياسي أو شخصية “مشبوهة”.
-
تجفيف المنابع: يقوم الإعلامي بقطع صلة الوصل بين “الهدف” وبيئته الطبيعية عبر بث الشائعات وتسميم سمعته لدى رفاقه، ليظهر بمظهر “المتقلب”.
-
الرمي في الحاضنة الغريبة: يتم دفع الهدف اجتماعياً وسياسياً نحو بيئة حزب الله بعد عزله، مما يجعله “غريباً” في المكان الجديد و”خائناً” في القديم، ليتحول إلى “رهينة طوعية” تبحث عن حماية وهمية.
ثانياً: الوكيل الأمني كفخ دولي (الخرق الإسرائيلي)
تكتمل اللعبة بتكليف “رجل أمن” محسوب على خط المقاومة ليكون هو “الممر الإلزامي” الوحيد للهدف. تكمن الكارثة هنا في أن هذا الوكيل “مخروق إسرائيلياً”، مما يحول المشهد إلى “رادار استخباري” للعدو يعمل وفق مستويين:
-
تحويل الهدف لمجس بشري: يصبح الشخص بمثابة “لاقط ترددات”، حيث يمر كل موعد أو اتصال مع رفاقه السابقين عبر “فلتر” رجل الأمن المخروق ليصل فوراً إلى بنك أهداف الاستخبارات المعادية.
-
فخ البيانات الوصفية الرقمية (Metadata): من خلال ربط شخصيات من محيط فرنجية و14 آذار بهذا المسار، يتم رصد البصمة الرقمية للجميع، وينجح الإعلامي في كشف “الظهر الأمني” للمنظومة بأكملها أمام المشغّل الإسرائيلي.
ثالثاً: الماكينة المالية والواجهات الأمنية
لا تكتمل فصول هذه الهندسة إلا بوجود محرك مالي يغذي العمليات. يبرز هنا دور “مبيض الأموال” المتورط في جرائم مالية، والذي يستغل انهيار القطاع المصرفي وازدهار “اقتصاد الكاش” لتمرير أجندته عبر قنوات متعددة:
-
قطاع العقارات: شراء مساحات استراتيجية بأموال مجهولة المصدر لتتحول إلى “بيوت آمنة” أو مراكز تنصت متقدمة لخدمة العمليات الأمنية.
-
شركات التأمين والصرافة الموازية: استخدامها كـ “ثقوب سوداء” لغسل تدفقات مالية ضخمة تُستخدم لاحقاً في تمويل شراء الذمم والعمليات القذرة تحت غطاء قانوني محكم.
-
التخادم الثلاثي: يُلمّع الإعلامي صورة المبيّض، ويحميه رجل الأمن، بينما يموّل المبيّض “عملية العزل” والوساطات المشبوهة، مما يخلق دائرة مغلقة من المصالح المتبادلة.
رابعاً: المظلة القضائية وشلل المؤسسات
لكي تستمر هذه الثقوب السوداء في ابتلاع ضحاياها، تحتاج إلى حصانة تمنع المساءلة. هنا يتدخل النفوذ السياسي لتعطيل العدالة:
-
تجميد الملفات المالية: يتدخل “المايسترو الإعلامي” عبر علاقاته للضغط على القضاة، بغية إبقاء ملفات التهرب الضريبي وغسيل الأموال الخاصة بـ “المبيّض” في الأدراج.
-
طمس الأدلة الجنائية: عند افتضاح أي خرق أمني، يتم التلاعب بالتحقيقات الأولية لضمان عدم وصول الخيوط إلى “الوكيل الأمني” المرتبط بإسرائيل.
خامساً: استشراف الاغتيالات وضرب الرفاق
في هذا السيناريو، يصبح الاغتيال “ضرورة استراتيجية” لغلق الملفات، وغالباً ما يستهدف صفوف 14 آذار لأسباب خبيثة:
-
سهولة الوصول الدقيق: توفر المعلومات التي يسربها “الهدف” دون وعي عبر رجل الأمن المخروق إحداثيات جغرافية وزمنية دقيقة للقاتل.
-
توجيه التهمة والفتنة: تتجه الأصابع فوراً نحو بيئة حزب الله عند وقوع القتل، مما يبعد الشبهة عن الخرق الإسرائيلي الحقيقي ويحرق الجسور بين فرنجية و14 آذار والوسط، لتصبح الساحة ساحة صراع داخلي مفتوح.
سادساً: الكبح الدولي والموقف السعودي-الأمريكي
تمتلك المملكة العربية السعودية، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، أوراق قوة حاسمة لتفكيك هذا المثلث الشيطاني:
-
الاستخبارات المالية المتقدمة: تزويد واشنطن بخرائط دقيقة للتدفقات النقدية، والتلويح بوضع لبنان على “اللائحة الرمادية” (FATF) لشل حركة المبيّض.
-
سلاح العقوبات الموسع: تفعيل قوانين مثل “ماجنيتسكي” لتشمل الجريمة المنظمة والفساد، مما يؤدي إلى تجميد أصول المبيض وشركات التأمين التابعة له.
-
كشف الخرق الأمني: استخدام التعاون الاستخباراتي لفضح “الخرق الإسرائيلي” لرجل الأمن، مما يضرب مصداقية المنظومة الأمنية للحزب ويجعل المبيض والإعلامي أعباءً مكشوفة.
-
الضغط الدبلوماسي: توجيه رسائل حازمة للشخصيات الوسطية وخط فرنجية بأن “الغطاء العربي والدولي” سيُرفع بالكامل عن كل من يوفر غطاءً سياسياً أو قضائياً لهذا المسار المشبوه.