لبنان ومعضلة السيادة المخطوفة: عندما تتحول الدولة إلى “غلاف” لمشاريع الآخرين

في خضم الصراعات الجيوسياسية التي تعصف بالشرق الأوسط، يبرز لبنان كحالة استثنائية في العلوم السياسية؛ حيث تختلط مفاهيم “الدولة” بمفاهيم “الساحة”. وفي قراءته الاستراتيجية الأخيرة، لم يكتفِ الخبير الفرنسي “ألان باور” بتوصيف لبنان كـ “دولة فاشلة”، بل ذهب إلى عمق الأزمة البنيوية التي تجعل السلطة الرسمية في بيروت مجرد واجهة لمراكز قوى تتجاوز الحدود الوطنية.

اختبار السفير: أبسط مظاهر السيادة الغائبة
لعل أكثر الأفكار إثارة للجدل في طرح “باور” هي إشارته إلى عجز الحكومة اللبنانية عن ممارسة أبسط حقوقها الدبلوماسية والسيادية، مثل طرد سفير دولة تتدخل بشكل مباشر وسافر في قرارها العسكري. هذه الفكرة ليست مجرد انتقاد ديبلوماسي، بل هي تشخيص لحالة “الارتهان” التي تعيشها الدولة.

ففي الأعراف الدولية، يُعتبر استدعاء السفير أو طرده “ألف باء” السيادة عندما تصبح أراضي الدولة منصة لعمليات عسكرية تديرها قوة خارجية. لكن في الحالة اللبنانية، يبدو هذا الفعل مستحيلاً، ليس لعدم وجود مبرر قانوني، بل لأن “المركز السيادي” قد انتقل فعلياً من المؤسسات الرسمية إلى يد الحرس الثوري الإيراني، الذي يرى فيه باور المحرك الفعلي للصواريخ والعمليات العسكرية في الجنوب.

الدولة كـ “غلاف” والقرار كـ “رهينة”
يحلل باور هذا العجز من خلال مفهوم “الدولة الغلاف” (L’État Enveloppe)؛ حيث تبدو الحكومة والوزارات والبعثات الدبلوماسية كقشرة خارجية تحافظ على المظهر القانوني للدولة أمام المجتمع الدولي، بينما يكمن المحتوى الفعلي في يد قوى موازية. هذا الانفصام جعل الحكومة اللبنانية في موقف “الرهينة”؛ فهي من يتلقى الاحتجاجات الدولية، وهي من يتحمل عبء الدمار والنزوح، لكنها في الوقت نفسه لا تملك حق “الاحتجاج” على من صادر قرارها العسكري.

إن العجز عن طرد سفير دولة تدير حرباً من داخل أراضيك يعني، بالمعنى الاستراتيجي، أن مفهوم “الدولة الوطنية” قد سقط. وبحسب باور، فإن بقاء السفير الإيراني في بيروت رغم الانتهاك المباشر للقرار العسكري اللبناني، هو الدليل القاطع على أن السلطة الرسمية تخشى الصدام مع “المركز” الذي يمد الميليشيات بالقوة، خوفاً من انهيار ما تبقى من هيكل الدولة الهش.

الجيش الوطني: الرهان الأخير لاستعادة الهيبة
لا يرى “باور” مخرجاً من هذا النفق إلا باستعادة “الاحتكار الشرعي للسلاح”، وهي القاعدة الأساسية لأي دولة ذات سيادة. إن إعادة بناء الجيش اللبناني، وضمان استقلاليته المالية واللوجستية، هو السبيل الوحيد الذي قد يمنح الحكومة في المستقبل القدرة على ممارسة تلك “المظاهر البسيطة للسيادة”.

فالسيادة لا تُستعاد بالبيانات الدبلوماسية أو بمناشدة المجتمع الدولي، بل بالقدرة على قول “لا” للتدخلات الخارجية، واتخاذ قرارات سيادية جريئة تحمي المصالح الوطنية العليا فوق أي اعتبار إقليمي.

 
يبقى لبنان، في قراءة ألان باور، نموذجاً صارخاً لكيفية تلاشي السيادة عندما تصبح الدولة “ساحة” لا “وطناً”. إن العجز عن محاسبة التدخل الخارجي، ولو رمزياً عبر القنوات الدبلوماسية، هو التحدي الأكبر الذي يواجه اللبنانيين في سعيهم لاستعادة دولتهم من فخ الصراعات الإقليمية التي حولت بلدهم إلى مجرد “بريد عسكري” وقرار سياسي مصادر.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …