القس جيمس أندرسون وصناعة الهوية الماسونية: صراع الشرعية، لاهوت التنوير، وظلال “نار الجحيم”

 القس الذي لم يخلع ثوبه

إلى فارس بويز (وتوابعه اي اميل لحود ايضا )واسكندر شاهين (المرحوم) – ريتا، بولس،  شهوان

في عام 1723، لم يكن جيمس أندرسون (1679-1739) مجرد “ماسوني” يضع لوائح تنظيمية، بل كان قساً مشيخياً (Presbyterian) مرسوماً في كنيسة اسكتلندا منذ عام 1707. وبحسب دراسات جامعة شيفيلد (Prescott, 2003)، فإن أندرسون ظل يمارس مهامه الرعوية في قلب لندن (كنيسة سوانلو بـ “بيكديللي”) حتى وفاته، ولم يُعزل أو يُحاكم كنسياً بسبب نشاطه. هذا الالتزام بالثوب الكنسي يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف استطاع رجل دين “أرثوذكسي” أن يضع الحجر الأساس لتنظيم اتُهم لاحقاً بالشيطانية والهرطقة؟ تكمن الإجابة في صراعه المرير لترميم سمعة الحركة وتوفيقها مع لاهوت عصر التنوير في مواجهة فضائح قياداتها المثيرة للجدل.

أولاً: صراع السمعة و”مأزق وارتون” (1722-1723)

اصطدم دور أندرسون المحوري في مأسسة الحركة بالتداعيات السلبية الناتجة عن تولي “فيليب، دوق وارتون” (Philip, Duke of Wharton) منصب الأستاذ الأعظم (1722-1723). كان وارتون الوجه الأكثر إثارة للجدل في الأرستقراطية البريطانية؛ فهو المؤسس الفعلي لأندية “نار الجحيم” (Hellfire Clubs) سيئة السمعة التي ظهرت في لندن عام 1718، وهي تجمعات راديكالية اتُهمت بممارسة طقوس تجديفية تسخر من المقدسات المسيحية عبر انتحال أسماء الأنبياء والقديسين في أجواء من الماجنة والسكر (Ashton, 2020).

بالنسبة للخصوم والوصوليين في الكنيسة، كان تولي وارتون قيادة الماسونية دليلاً دامغاً على أن المحافل ليست سوى امتداد لأنديته الماجنة التي حظرها الملك جورج الأول بمرسوم صارم عام 1721 بسبب ما وُصف بـ “الشرور والفواحش” (Black, 2007). ويصف المؤرخ ريك بيرمان (Berman, 2014) هذا الوضع بـ “مأزق وارتون” (The Wharton Dilemma)؛ حيث وُضع أندرسون في مأزق تاريخي وأخلاقي، إذ نُشر “دستور الماسونيين” تحت سلطة وارتون المباشرة، مما جعل من المستحيل على الجمهور الفصل بين “المشرع” (أندرسون القس) وبين “الزعيم” (وارتون الزنديق).

ثانياً: التوثيق الرسمي لرعاية وارتون للدستور

لم يكن الارتباط بين أندرسون ووارتون مجرد إشاعة، بل كان حقيقة موثقة في قلب طبعة 1723، وهو ما عمّق جراح السمعة الماسونية آنذاك:

  1. نص الإهداء الرسمي: في الصفحة الخامسة عشرة، نجد إهداءً يؤكد أن النشر تم بأمر من وارتون: “بأمر من سمو الدوق وارتون، الأستاذ الأعظم الحالي للماسونيين؛ وبصفتي نائبه، أهدي هذا الكتاب بكل تواضع…” (Anderson, 1723).

  2. صفحة الموافقة (The Approbation): في نهاية الكتاب، يتصدر اسم وارتون قائمة الضباط الذين أقروا الدستور، حيث ذُكر أن العمل أُعيد تأكيده ونشره تحت رعايته المباشرة.

  3. اللوحة التوضيحية (Frontispiece): تضمنت الطبعة لوحة فنية شهيرة رسمها “جون باين” تصور انتقال السلطة؛ حيث يُرى الدوق مونتاغو وهو يسلم “لفافة الدستور” إلى خليفته فيليب، دوق وارتون، مما يرمز تاريخياً إلى أن وارتون هو القائم على نشر هذا العمل (Berman, 2014).

يوضح المؤرخ ريك بيرمان أن إقحام اسم وارتون كان “إجبارياً” بحكم منصبه، لكنه كان “محرجاً” لأندرسون لدرجة أنه حاول في طبعات لاحقة (مثل طبعة 1738) تقليل الإشارات لوارتون أو حذف بعض التفاصيل المتعلقة بفترة رئاسته.

ثالثاً: الدستور كآلية دفاعية لـ “غسل السمعة”

نتيجة لهذه الضغوط، صاغ أندرسون الدستور بـ “لغة اعتذارية” (Apologetic Tone)، محولاً إياه من مجرد لائحة تنظيمية إلى وثيقة “علاقات عامة” تهدف لـ “غسل السمعة” (Reputational Laundering). ويؤكد المؤرخ جاسبر رِدلي (Ridley, 2011) أن إصرار أندرسون في المادة الأولى على أن الماسوني “لا يمكن أن يكون ملحداً غبياً” (stupid atheist) كان رداً مباشراً وتفنيداً مقصوداً لاتهامات الزندقة المرتبطة بوارتون.

لقد تعمد أندرسون تضمين نصوص تشدد على الأخلاق والولاء للحاكم (السلطة المدنية)، في تضاد صارخ مع أجندة وارتون التي عُرفت بالتمرد السياسي. كان الهدف هو إقناع الدولة والكنيسة بأن الماسونية هي النقيض الأخلاقي لأندية نار الجحيم، وأنها تلتزم بالقانون الطبيعي والمدني (Prescott, 2003).

رابعاً: المناورة اللاهوتية وأطروحة “الاحتواء”

بدلاً من الصدام مع العقلانية الصاعدة، قام أندرسون بمناورة لاهوتية بارعة لاستيعاب الربوبيين (Deists) والعلماء. لقد استعار مصطلح “المهندس الأعظم للكون” (Great Architect of the Universe)، وهو مصطلح استلهمه —بصفته كلفنياً— من جان كالفن (John Calvin) الذي وصف الله في كتابه “معاهد الدين المسيحي” (1536) بالمهندس الذي تجلى في “البناء الرائع للعالم” (Berman, 2014).

ويرى جاسبر رِدلي (2011) أن هذا المصطلح وفّر “لغة مشتركة” ترضي القساوسة وعلماء الجمعية الملكية (مثل نيوتن) الذين نظروا للكون كآلة دقيقة. أصبحت الماسونية فضاءً لـ “لاهوت الطبيعة” (Natural Theology)؛ حيث يُستدل على الله من خلال “الهندسة”، مما منع النخبة العلمية من الانزلاق نحو الإلحاد الصريح نتيجة لجمود الخطاب الكنسي التقليدي (Sommerville, 1992).

خامساً: الرموز التوراتية و”أغنية الأستاذ” كحصانة تاريخية

في قصيدته الشهيرة “أغنية الأستاذ” (The Master’s Song)، أعاد أندرسون كتابة التاريخ التوراتي بصبغة هندسية لتوفير “حصانة لاهوتية” للمحافل:

  • آدم: صُوّر كأول ماسوني طُبع علم الهندسة في عقله إلهياً، وظل هذا العلم أداة لإعادة إعمار الأرض.

  • الأنبياء كأستاذة بنّائين: صوّر نوح (باني الفلك) وموسى (مصمم خيمة الاجتماع) وسليمان كـ “أساتذة بنائين” (Grand Masters).
    جعل هذا الربط نقد الماسونية يبدو وكأنه نقد للتاريخ التوراتي نفسه، مما وفر غطاءً لاهوتياً شرعياً في وجه الانتقادات الكنسية المبكرة (Prescott, 2003; Anderson, 1723).

سادساً: تفكيك الالتباس.. لماذا بقيت التهمة؟

على الرغم من جهود أندرسون، استمرت اتهامات “عبادة الشيطان” والهرطقة لعقود نتيجة لثلاثة عوامل:

  1. الارتباط المؤسسي بوارتون: الذي ظل وصمة عار استغلها الخصوم لربط السرية الماسونية بالمجون، خاصة مع وجود اسمه رسمياً في فواتح الدستور (Dickie, 2020).

  2. الاستنساخ الأيرلندي: ظهور نوادٍ مماثلة في دبلن قادها “إيرل روس” (Earl of Rosse)، الذي كان يجمع علناً بين رئاسة الماسونية في أيرلندا وقيادة أندية نار الجحيم (Ashton, 2020).

  3. الموقف الكاثوليكي: الذي رأى في “التسامح الديني” وإلغاء الحصرية المسيحية تهديداً لسلطة الكنيسة، مما أدى لصدور الحظر البابوي (In Eminenti) عام 1738 (Berman, 2014).

الخلاصة البحثية

نجح القس جيمس أندرسون في خلق “منطقة وسطى” (Middle Ground) يلتقي فيها اللاهوتي مع العالم الربوبي تحت سقف واحد. لم يكن يهدف لتأسيس دين جديد، بل كان يسعى لـ “عقلنة المسيحية” و”تدين العلم” عبر ربطهم بجذور توراتية ولغة هندسية عالمية. لقد كان أندرسون سياسياً لاهوتياً بارعاً استطاع أن يحجز مكاناً للدين في عصر التنوير، محولاً الماسونية إلى صمام أمان يحمي الإيمان، حتى وإن كلّفه ذلك سمعةً طاردتها أساطير “نار الجحيم” لقرون نتيجة لخيارات إدارية فرضتها ظروف زمانه.


قائمة المراجع الشاملة (References in APA Style):

  • Anderson, J. (1723). The Constitutions of the Free-Masons: Containing the History, Charges, Regulations, &c. of that most Ancient and Right Worshipful Fraternity. Printed by William Hunter for John Senex and John Hooke.

  • Ashton, J. (2020). The Hellfire Club: The History of the Eighteenth-Century Clubs. Amberley Publishing.

  • Berman, R. (2014). The Foundations of Modern Freemasonry: The Grand Lodge of England, 1717-1740. Sussex Academic Press.

  • Black, J. (2007). The English Press in the Eighteenth Century. Routledge.

  • Calvin, J. (1536). Institutes of the Christian Religion. (Various Editions).

  • Dickie, J. (2020). The Craft: How the Freemasons Made the Modern World. PublicAffairs.

  • Prescott, A. (2003). The Devil in the Detail: The Creation of the Anderson’s Constitutions. In R. Carli (Ed.), Freemasonry in Focus (pp. 56-78). Canonbury Masonic Research Centre / University of Sheffield.

  • Ridley, J. (2011). The Freemasons: A History of the World’s Most Powerful Secret Society. Arcade Publishing.

  • Sommerville, C. J. (1992). The Secularization of Early Modern England. Oxford University Press.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

تلفيق واقع واحد …. عقل مجنِد مريض

هدية الى سيمون كشر، فادي سعد، وربيع الشاعر وعموم العوائل   ليس خيالاً مريضا حبيب يونس… …