في ظل التحولات العالمية: ألمانيا تدير بوصلتها بين شركاء الغاز، التنافس الأطلسي، وعبرة التاريخ

في مشهد دولي تتقاطع فيه حروب الطاقة مع صراعات الهيمنة، تجد ألمانيا نفسها أمام اختبار معقد يتطلب موازنة قيمها الليبرالية مع مصالحها الاستراتيجية. فمنذ اندلاع الأزمات العالمية، وتحديداً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، أدركت برلين أن سياستها الخارجية لا تحتمل الترف الأخلاقي، بل تحتاج لنسج تحالفات براغماتية أمنية واقتصادية، سواء عبر الأطلسي أو في الشرق الأوسط.

التوازن الجيوسياسي بين واشنطن وأوتاوا

أجبرت الأزمة الأوكرانية ألمانيا على إعادة ضبط بوصلتها الاستراتيجية لتقليل ارتهانها لروسيا والصين، متوجهةً نحو شركائها عبر الأطلسي، لكن بوعي تام للتنافس الكامن بين كندا والولايات المتحدة. تستفيد برلين من هذا التنافس لتعزيز “سيادتها الاستراتيجية المفتوحة”؛ فبينما تحافظ على واشنطن كحليف أمني رئيسي في حلف الناتو، تتوجه نحو أوتاوا لتنويع سلاسل التوريد وتقليل الاعتماد التكنولوجي والاقتصادي على القوى العظمى المتقلبة.

على الصعيد الاقتصادي والأمني، وقّعت ألمانيا شراكات استراتيجية مع كندا لاستخراج المواد الخام الأساسية (كالليثيوم والكوبالت) بعيداً عن الاحتكار الصيني والتحكم الأمريكي. كما تدفع برلين نحو تعاون دفاعي وبحري مع كندا والنرويج في المجال القطبي لتقليل الاعتماد التكنولوجي البحري على الولايات المتحدة، مما يعزز الاستقلالية الأوروبية داخل الناتو ويمنح كندا بعداً عابراً للأطلسي. هذا التكتيك يسمح لألمانيا بالاستفادة من الحماية الأمريكية من جهة، مع استخدام كندا كأداة توازن تمنع الهيمنة الأمريكية المطلقة على الاقتصاد الأوروبي.

في المقابل، تضع الولايات المتحدة وكندا استراتيجيات أيديولوجية لمنع الاختراق الخارجي (سواء كان صينياً أو روسياً، أو حتى لتطويع الاستقلالية الأوروبية). بالنسبة لواشنطن، تتمحور أيديولوجيتها في الشرق الأوسط حول “التقسيط وتطويع الأنظمة” وإضعاف الإسلام السياسي (بشقيه السني والشيعي) لضمان أمن إسرائيل والتفوق الأمريكي، مما يمنع تشكل قوى إقليمية مستقلة. بينما تركز الشراكة الأمريكية-الكندية على بناء تحصينات اقتصادية وأمنية تحت غطاء “القيم المشتركة” ومواجهة النفوذ الأوتوقراطي.

الشرق الأوسط بين شركاء الطاقة والإرث الأخلاقي

في الشرق الأوسط، تشكل قطر نقطة ارتكاز حيوية في الاستراتيجية الألمانية الجديدة. لتأمين احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال، لجأت ألمانيا إلى الدوحة، ووقعت اتفاقيات طويلة الأمد لدعم التحول نحو الطاقة المتجددة. ورغم التباينات الحقوقية، تدرك برلين أن استقرارها يمر عبر هذه الشراكات الموثوقة التي تمنحها أيضاً فرصة للاستفادة من الوساطات القطرية الإقليمية.

على الصعيد الإنساني والسياسي، برز التناقض الألماني في التعامل مع أزمات الشرق الأوسط. فبينما تتبنى برلين أيديولوجية داعمة لحقوق الإنسان، فتحت أبوابها لمئات الآلاف من اللاجئين السوريين منذ عام 2015، ونفذت برامج إعادة توطين عبر لبنان لإنقاذ الفئات المستضعفة من جحيم الحرب. هذا الموقف “اللين” تجاه اللاجئين وما يجري في لبنان يترافق مع دعم مالي للمؤسسات الإنسانية هناك ، محاولةً التخفيف من عبء النزوح دون التورط العسكري المباشر.

المحرقة والموقف من إسرائيل

غير أن المحرقة (الهولوكوست) تبقى المحدد العقائدي الأبرز والتاريخي للسياسة الخارجية الألمانية. فمنذ عهد كونراد أديناور وصولاً إلى أولاف شولتز وفريدريش ميرتس، كرست برلين أمن إسرائيل كـ”مصلحة دولة عليا” (Staatsräson). هذا الالتزام يُترجم بدعم سياسي وعسكري قوي لتل أبيب، ولكنه يضع الدبلوماسية الألمانية في مأزق “ازدواجية المعايير” عندما تتعارض ممارسات إسرائيل العسكرية مع قيم حقوق الإنسان التي تدعمها برلين في سوريا ولبنان.

وفي سياق متصل، لم يقتصر الاستهداف النازي على اليهود، بل شمل ملاحقة الماسونية بناءً على نظرية “المؤامرة اليهودية-الماسونية”. ورغم زوال هذا القمع، تستمر سرديات المؤامرة المرتبطة بالماسونية في الحضور داخل الأدبيات السياسية في الشرق الأوسط. هذه السرديات تزيد من تعقيد المشهد أمام الدبلوماسية الألمانية، التي يتعين عليها إدارة تحالفات شفافة في بيئة مثقلة بعقدة الذنب، ونظريات المؤامرة، واستراتيجيات الاستقطاب الأمريكية والكندية.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …