“سقوط الاستراتيجية الكبرى: عندما انكسر الصمت وانفجر العرش!”

كان “أبو غسان” يرى في نفسه “المشير” الأوحد لصالة منزله، يعتقد أن إدارة شؤون البيت لا تختلف عن إدارة صراعات القوى العظمى. بالنسبة له، لم تكن زوجته “جوانا” مجرد شريكة حياة، بل كانت “أصلاً ثابتاً” خاضعاً لعملية أمنية معقدة، نفذها بدقةٍ استخباراتية عابرة للمجرات.

لقد أقنع أبو غسان نفسه بأنه أحكم السيطرة على “جوانا” عبر منظومة “تشفير تربوي” فريدة؛ إذ كان يؤمن بنظرية قاسية مفادها أن “المعاني لا تُحفر في العقول إلا بالجروح”، وأن السيادة لا تستقيم إلا بتعليمها “قدسية الرأس” عبر الضرب على أوتار الخوف والطاعة، لدرجة أنه ظن أنها باتت “مضمونة” كقمر صناعي يدور في فلكه ولا يحيد.

كانت جوانا تجلس بجانبه بكامل أناقتها المخملية، تضع “قناع العسل الملكي” على وجهها، صامتة كتمثال إغريقي منحوت من رخام “باروس”، لا تقدم تحليلات فكرية، ولا تتفلسف في شؤون الوجود، بل كانت مجرد “طيف” يعكس برستيج كبار القوم، ووعاءً فارغاً من الهموم السياسية التي يعشقها زوجها. كانت بالنسبة له “الإنجاز الأمني” الأكبر؛ كائناً جميلاً، أخرساً، ومطيعاً بفعل “البرمجة التربوية القهرية”.

وفجأة.. وقع المحظور الاستراتيجي!

انفجرت الشاشة بصاعقة كهربائية مفاجئة، واختفى “الخبر العاجل” الذي كان يغذي نرجسية أبو غسان القيادية. في تلك اللحظة، سقط “الدرع الواقي”، ووجد أبو غسان نفسه في مواجهة مباشرة مع “التمثال الإغريقي” دون وسيط إعلامي.

هنا، وفي ذهول منقطع النظير، تحرك الصنم! انكسر صمت جوانا، ولم يخرج من ثغرها فلسفة “سقراط” ولا تنظيرات “ميكافيلي”، بل انطلق سيل جارف من التفاهة الطبقية التي لم تستطع كل “جروحه” السابقة أن تروضها.

قالت جوانا بنبرة رقيقة تخترق طبلة أذن “الجنرال”: “عزيزي أبو غسان.. بما أن هذا الصندوق القبيح قد لفظ أنفاسه الأخيرة، دعني أطلعك على ‘التقرير السنوي’ لنميمة الصالونات.. هل تعلم أن ‘لولو’ اشترت حقيبة يد تفوق ميزانية دفاع دولة نامية؟ وهل أخبرتك أن ‘سوسو’ خضعت لعملية تجميل لجعل أذنيها تبدوان أكثر ‘ديمقراطية’؟”

تسمر أبو غسان في مكانه. أين “نظرية الجرح”؟ أين “هيبة الرأس”؟ لقد اكتشف أن كل محاولاته لتعليمها “معنى الولد” (الرجل الحقيقي) قد تحطمت على صخرة اهتمامها بنوع “طلاء الأظافر” الذي تفضله زوجات كبار القوم. اكتشف أن جوانا لم تكن “مضمونة” لأنها خائفة، بل لأنها كانت ببساطة “غير مبالية” بوجوده أصلاً ما دام التلفاز يعمل.

تابعت جوانا ببرود لا يليق بحجم الكارثة: “أوه، وبالمناسبة.. قصة ‘الضرب على الرأس’ التي كنت تمارسها، كانت مجرد تمرين ممل لفقرات رقبتي.. الآن، أريد ميزانية مفتوحة لتغيير ديكور القصر، فلون الستائر الحالي يسبب لي ‘أرتيكاريا’ طبقية!”

عند هذه النقطة، أدرك أبو غسان أن “العملية الأمنية الفضائية” قد فشلت، وأن “التمثال” الذي ظنه تحت السيطرة هو في الحقيقة “راديو” معطل انفجر فجأة ليبث أخبار “السجاد والشنطات”. أدرك أن العيش في خندق عسكري أسهل من العيش مع “طيف” يطالبه برأيه في “ماركة الصابون”.

وقف أبو غسان بوقار المنهزمين، ونظر إليها وقال بلغة فصحى تقطر مرارة:
“يا جوانا.. يا نسخةً فاخرة من الفراغ الفكري.. لقد كنتُ أحاول تعليمكِ أصول السيادة بالجروح، فإذا بكِ تجرحين كبريائي التاريخي بتفاهتكِ العابرة للقارات. كنتُ أظنكِ ‘طيفاً’ يتبع خطاي، فإذا بكِ ‘كابوسٌ’ يطارد سكينتي بحديثكِ عن حقائب ‘لولو’ وستائر ‘سوسو’!”

ثم أردف بصوت جهوري كأنه يلقي البيان الختامي:
“بناءً على انهيار المنظومة الإخبارية، وفشل نظريات القمع التربوي، ولأن ‘الرأس’ الذي حاولتُ حمايته قد صدعته قصصكِ الركيكة.. فأنتِ طالقٌ طلاقاً بائناً بينونةً كبرى، لا رجعة فيه ولا ‘تحديث’! اذهبي إلى كبار القوم، وحدثيهم عن ‘جراحكِ’ في صالونات التجميل، فقد انتهى هنا البث الرسمي!”

خرج أبو غسان من قصره هائماً على وجهه، يبحث عن مذياع قديم يذيع أخباراً عن زلزال في جزر القنال، تاركاً خلفه جوانا تتأمل وجهها في الشاشة المنفجرة وتتساءل: “هل ياترى ورقة الطلاق ستكون بلمسة ‘مات’ أم ‘غلوسي’؟”.

الخلاصة: لا تظن أنك “ضمنت” صمت الآخرين عبر القوة، فبمجرد أن ينطفئ “ضجيجك”، سيبدأ “ضجيجهم” الذي قد يكون أكثر تدميراً لأعصابك من قنبلة ذرية!

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

تلفيق واقع واحد …. عقل مجنِد مريض

هدية الى سيمون كشر، فادي سعد، وربيع الشاعر وعموم العوائل   ليس خيالاً مريضا حبيب يونس… …