بين مِقصلة البعث ووصاية “الشرع”: من استبداد الايديولوجيا الى الدين

لا يمكن فهم صعود أحمد الشرع خارج علاقته المركّبة بالنظام السابق، ولا خارج تقلباته مع بنية الأسد التي مثّلت، لعقود، المدرسة الأشد فجاجة في إنتاج الطاعة الأمنية وتفريغ السياسة من معناها. فالصورة التي انتهت إليها سوريا لم تكن ثمرة قطيعة حقيقية مع ذلك الإرث، بل نتيجة تشابك طويل بين مسارات الحرب، والاختراقات الأمنية، والبراغماتية السياسية، والتوظيف المتبادل للخصوم داخل بنية سلطوية منهكة. ومع انكشاف عجز البعث عن الاستمرار كأيديولوجيا جامعة، لم يدخل المجتمع السوري عصر المواطنة، بل دخل طورًا جديدًا من إعادة تدوير المعاني، حيث حلّ الدين محل الإيديولوجيا القومية بوصفه لغة التعبئة والفرز والشرعنة.

في هذا التحول، لم يعد الدين مجرد مرجعية روحية، بل صار أداة لإعادة ترتيب المجال العام على أسس طائفية وأخلاقية مغلقة، الأمر الذي أضعف فكرة المواطن لصالح فكرة “الرعية” أو “المنتمي”. وهنا تكمن الخطورة: فبدلاً من أن يكون الدين محررًا من إرث البعث الاستبدادي، جرى استدعاؤه ليملأ الفراغ نفسه الذي خلّفه الحزب والأجهزة، لكن بأسماء جديدة وشعارات مختلفة؛ من “العروبة” إلى “الشرع”، ومن “وحدة الشعب” إلى “وحدة الجماعة”، ومن الدولة التي تحتكر الحقيقة إلى سلطة تحتكر التأويل. بذلك، لم تُستعاد الحقوق والحريات، بل جرى تأجيلها مرة أخرى لصالح خطاب يَعِد بالاستقرار فيما يعيد إنتاج القيود ذاتها.

يمثل أحمد الشرع الحالة الأكثر فجاجة لتحولات الفاعلين غير الدولتيين في المشهد السوري المعاصر؛ حيث لم يكن انتقاله من “السلفية الجهادية العابرة للحدود” إلى “البراغماتية المحلية” عبر “هيئة تحرير الشام” إلا عملية إعادة إنتاج لشرعية سياسية بديلة، تحاول جاهدة تقمص دور “الدولة” في مناطق الشمال الغربي. ورغم المساحيق المدنية التي يحاول هذا النموذج إظهارها عبر مؤسسات خدمية وأمنية، إلا أنه يرتطم بجدار “الاستبداد الاجتماعي”؛ فهو لا يفكك بنى السلطة القهرية، بل يعيد صياغتها داخل شرنقة أيديولوجية، يظل فيها الفرد “تابعاً” محكوماً بالفرز الأخلاقي والولاء العقدي، لا “مواطناً” يتمتع بسيادة القانون.

إن تجربة “الشرع” ليست قطيعة مع أزمة الدولة السورية، بل هي امتداد عضوي لها. لقد انتقل الاستبداد من مركزيته القومية المتكلسة إلى صور لامركزية مشظاة، دون أن يتحرر من منطق “الوصاية” على الفرد. إن أي نقاش حول “الدولة المدنية” يغفل طبيعة هذه الكيانات هو نقاش قاصر؛ فهي تنافس الدولة المركزية في أدوات السيطرة، لكنها تعجز عن تقديم مشروع قائم على التعددية أو المواطنة الحديثة.

من القومية إلى الثيوقراطية: استبداد يغير قناعه
لم يشهد السوريون انتقالاً من “الدولة إلى المواطنة”، بل شهدوا انزلاقاً من استبداد قومي أمني إلى استبداد ديني يتغلغل في المسامات الاجتماعية. لقد نجح البعث طوال عقود في تجريف مفهوم المواطنة، صانعاً فرداً ملحقاً بآلة أمنية ترفع شعارات وحدوية بينما تمارس التفتيت والفساد. ومع تصدع هذا البناء، لم تشرق شمس الحريات، بل تقدم الدين إلى الفضاء السياسي كأداة لإعادة هندسة السلطة لا لتحرير الإنسان.

في هذا السياق، يبدو خطاب الشرع حول “تجاوز التصنيفات الطائفية والعرقية” دعوة براغماتية جوفاء ما لم تترجم إلى عقد قانوني يعلو فوق الأشخاص والجماعات. المشكلة تكمن في تحويل “المواطنة” إلى غطاء سياسي لتسويق سلطة تظل في جوهرها محكومة بالولاء الضيق والضبط الأمني، وهي العناصر ذاتها التي أنتجت الاستبداد السوري عبر التاريخ، ولكنها اليوم تتحدث بلسان فقهي.

الدين كآلية ضبط لا كمرجعية تحرر
لقد تم توظيف الدين هنا بوصفه “لغة شرعنة” قبل أن يكون قيمة أخلاقية. فحين تفككت مؤسسات الدولة، لم يملأ الفراغ مفهوم الحقوق، بل ملأته “الجماعة” الأكثر تماسكاً (الطائفة، الفصيل، التنظيم)؛ تلك التي منحت نفسها حق تعريف “المقدس والمدنس” و”المقبول والمرفوض”. وعندما ترتبط السلطة بتأويل ديني أحادي غير قابل للمساءلة، يتحول القانون من درع لحماية الفرد إلى سيف لضبط سلوكه، وتتحول الحقوق من استحقاق طبيعي إلى “مكرمات” تمنحها السلطة للمقربين من مركز قوتها.

ثمة تشابه بنيوي مذهل بين “البعث” و”الإسلام السياسي السلطوي”؛ كلاهما ينكر التعددية بنيوياً. أنكرها البعث باسم “وحدة المصير القومي”، وينكرها المشروع الديني باسم “وحدة الجماعة” أو “الشرع”. والنتيجة في الحالتين واحدة: المواطن مغيب كفرد حر، وحاضر كـ “رعية” تحتاج إلى وصاية تبرر وجودها بالخوف أو العقيدة.

 إعادة تدوير الأدوات القديمة
إن الأزمة لا تكمن في حضور الدين في المجال العام، بل في تحويله إلى سلطة فوق دستورية تحتكر تعريف الوطنية والفضيلة. والأخطر هو إعادة تدوير أدوات الفساد والولاءات التي نخرت جسد الدولة السورية سابقاً داخل قوالب “هوياتية” جديدة.

 إن دخول الدين إلى المجال السياسي عبر بوابة أحمد الشرع لم يكن تجاوزاً للاستبداد، بل كان توزيعاً جديداً لأدواته بلغة مستحدثة. فبينما حكم البعث باسم “العروبة”، جاء الخطاب السلطوي الجديد ليحكم باسم “الهوية والشرع”، تاركاً المواطنة رهينة الولاء، والحقوق رهينة التأويل، والحريات رهينة الخوف. وفي كلتا التجربتين، ظل الفرد السوري خارج مركز الفعل السياسي؛ ليس مواطناً كامل الأهلية، بل تابعاً يُدار من الأعلى، وتتحدد كرامته بمدى قربه من عباءة السلطة، لا بمدى نفاذ القانون.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …