بروتوكول الجنارك: كيف تكتشف موطن الثمرة من قضمة واحدة؟

لم تكن البداية بقرارٍ مني، بل كانت أشبه بـ “نداء الطبيعة” الذي لا يمكن مقاومته. في السابق، كنت مثل بقية العوام، أشتري كيس الجنارك، أملؤه بالملح حتى يغيب لونه الأخضر، ثم ألتهمه دون وعي كأنني أتناول رقائق البطاطس. لكن، مع مرور الوقت، حدث التحول الكبير؛ تخلّصت من عبودية الملح، وبدأت أتعامل مع الجنارك بوصفها مادة فلسفية تحتاج إلى فك الشفرات.

اليوم، يمكنني القول بكثير من التواضع (وقليل من حساسية الأسنان المفرطة) إنني تحولت إلى “زوّاقة جنارك” معتمد، وإن كانت هذه الصفة لا توجد في التصنيفات المهنية الرسمية بعد.

تبدأ الطقوس بمجرد النظر إلى الثمرة. أتأمل لمعان قشرتها الخضراء، ثم أقضم قضماتي الثلاث الشهيرة. القضم ليس مجرد مضغ، بل هو عملية تحليل كيميائي وجغرافي. بمجرد أن تلامس العصارة الحامضة براعم التذوق لدي، ينفتح أمامي مجسم غوغل إيرث (Google Earth) في مخيلتي:

  • القضمة الأولى: إذا شعرت بحموضة حادة، جافة، تلسع اللسان مباشرة وتترك خلفها طعماً ترابياً خفيفاً، أقول بثقة: “هذه جنارك برية، نبتت في تربة كلسية على أطراف دمشق أو في ريف حمص، حيث الشجر يقاوم العطش ليعطينا هذه العصارة المركزة”.

  • القضمة الثانية: إذا كانت الحموضة ممتزجة بمسحة من حلاوة خفيفة، والقشرة رقيقة وهشة تذوب سريعاً، أبتسم وأقول: “هذه جنارك ساحلية، نضجت على مهل تحت رطوبة البحر المتوسط، تفتقر للشراسة الجبلية لكنها لطيفة على المعدة”.

  • القضمة الثالثة: أما تلك الثمرة الصلبة التي تحتاج إلى مجهود في الكسر، والتي تتميز بحموضة تصيب الفك بشلل مؤقت يمتد للأذنين، فهي حتماً قادمة من المرتفعات الجبلية العالية، حيث البرد القارس جعل الثمرة قاسية مثل قلوب بائعيها في أول الموسم.

هذا الشغف لم يقف عند حدود التحليل الجغرافي داخل غرفتي، بل تحول إلى “رحلات حج موسمية”. مع بداية الربيع، أتحول إلى رحالة جاد، أتنقل بين المناطق والقرى متتبعاً خطوط الطول والعرض لنضوج الجنارك.

أهلي يعتقدون أنني أسافر للسياحة أو لزيارة الأقارب، لكن الحقيقة أنني أذهب إلى البقاع أو ريف دمشق أو مرتفعات لبنان فقط لأنني سمعت شائعة عن وجود بستان هناك لم يتأثر بموجة الصقيع الأخيرة، وأن جناركه يتمتع بـ “حموضة متوازنة” تستحق عناء السفر. أقف أمام الأشجار كمن يقف أمام لوحات فنية في متحف اللوفر، أتذوق من هذا الغصن وذاك، وأسجل ملاحظاتي في مفكرتي الخاصة، بينما ينظر إليّ المزارعون بريبة، متسائلين إن كنت خبيراً زراعياً أم مجرد شخص يحتاج إلى فحص طبي عاجل.

بطبيعة الحال، لهذه النجومية ضريبتها. فحسابي البنكي يستنزف بالكامل في بداية الموسم عندما يباع الكيلوغرام بسعر يعادل غرامات الذهب، وأسناني أصبحت تعلن احتجاجها الرسمي عند شرب أي كوب ماء دافئ أو بارد. لكن، في نهاية المطاف، عندما يغلق الموسم أبوابه، أواسي نفسي بانتظار الربيع القادم، حاملةً لقب “الزوّاقة الأولى” التي كشفت أسرار حبة الجنارك من قشرتها حتى نواتها.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …