جدلية الفردية والعجز ومأزق الدولة: العراق في فكر سمير قصير وتأملات الشقاء العربي

“القذف الليبي” (قسما وردت هكذا في الكتاب)، العجز، الاجهاض، رعب، الحداثة والمعاصرة. كل ذلك كان يدور ويدور حول العراق. العرب؟ ما العرب سمير. مؤامرة تسيّرها الجريمة، في واقع لم يعرف الانتقال الى المدنية، الى مع تراث خفيف… ما التراث؟ حداثة اكبر من التاريخ. لا ادر لم اكتب لسمير. كانه يشاهد من السماء! ربما لانه تم تفكيك عالم الحدود الذي خفته واشرت اليه بفكرة:

في الأرقام، بدءاً بالشعور المتجذر والشائع بأن المستقبل مسدود. أمام الداء العضال ذي الأوجه العديدة الذي قد ينهش هذا العالم لا مجال للاستكانة، الا عبر الهروب الفردي. والحال أن الشقاء العربي هو أيضاً وليد نظرة الآخرين. هذه النظرة تحول دون الفرار، وتذكرك، بما فيها من ريبة وعنجهية، بوضعك الذي لا مهرب منه، ساخرة من عجزك وقاضية على آمالك على نحو مسبق، وغالباً ما توقفك عند مراكز الحدود. ولا يشعر بما في هذه النظرة من حكم قاطع، إلا من يحمل جواز سفر صادراً عن إحدى الدول الموبوءة، ولا يقدّر مدى الشلل الذي تسببه هذه النظرة إلا من يقارن القلق الذي يشعر به بيقين الآخرين، يقينهم في ما يخصك ويتناولك.

في قلب أطروحة المفكر الراحل سمير قصير حول “الشقاء العربي”، تكمن جدلية بنيوية وثيقة تربط بين انكسار الفردية وتفشي مشاعر العجز لدى الإنسان العربي المعاصر، وهي الجدلية التي يرى قصير أنها وجدت تجسيدها المادي والأقصى في المأزق العراقي. فالشقاء في منظوره ليس مجرد معطى اقتصادي أو أزمة جيوسياسية قابلة للقياس بالأرقام، بل هو حالة وجودية ونفسية تسكن وجدان الفرد، الذي يجد نفسه عالقاً بين وعد الحداثة المجهض بالتحقق والحرية، وبين واقع الاستبداد والتبعية الذي يجرده من الفاعلية ويحيله إلى هامش الأحداث.

أولاً: إجهاض الفردية واستيطان العجز

يرى قصير أن النظم السلطوية العربية، بالتكامل مع بنية المجتمع التقليدي، قد تظافرتا لإعاقة ولادة “الفرد المواطن” المستقل. وبدلاً من أن يكون الفرد صانعاً لمصيره ومشاركاً في بناء مجتمعه، جرى تدجينه داخل أطر شمولية أو تفتيته إلى هويات فرعية طائفية وقبلية. هذا الغياب للفردية الفاعلة أنتج اغتراباً مزدوجاً؛ اغتراباً عن العصر وإنجازاته الحديثة، واغتراباً داخل الأوطان التي تحولت إلى مساحات ضبط أمني، مما جعل الذات العربية تشعر بالضآلة والقصور عن المبادرة في الفضاء العام.

يتغذى هذا الانسداد الفردي من “عجز جماعي كوني” ترسب بفعل الهزائم المتكررة، والتدخلات الخارجية، واستمرار غياب الأفق الديمقراطي. وقد ولّد هذا العجز لدى الفرد العربي متلازمة “الضحية”، حيث ينكفئ الإنسان على ذاته معتقداً أن مصيره يُطبخ بالكامل في عواصم القرار الدولي دون أي قدرة منه على التأثير. ولمواجهة هذا العجز المستمر، يهرب الفرد إما إلى تمجيد الماضي والتباكي على “العصر الذهبي” الغابر، أو إلى تبني العنف الأعمى والانتماءات الضيقة كآلية دفاعية مشوهة للتعويض عن غياب الفاعلية السياسية الحقيقية.

ثانياً: العراق بوصفه “المختبر” البنيوي للعلل الثلاث

هذا المنحى النفسي والوجودي لم يكن مجرد تحليل نظري، بل وجد مسرحه الواقعي الأبرز في المأزق العراقي. فالكتاب لا ينظر إلى العراق كحالة معزولة، بل كمرآة مكبرة وجامعة لكل أزمات النظام الإقليمي العربي؛ إنه “المختبر” الذي انفجرت فيه أعتى التناقضات ومكامن العجز.

وينطلق قصير في تشخيص هذا النموذج من فكرة أن المأزق العراقي يمثل الذروة القاتمة للشقاء العربي لأن العراق لم يُصب بآفة منفردة، بل اجتمعت فيه الخطوط الحمراء الثلاثة التي تعيق نهوض أي مجتمع في المنطقة. ويصوغ قصير هذا التلازم الثلاثي المدمّر بقوله:

“ففي العراق اجتمعت العلل الثلاث التي تعيق طريق المستقبل، وهي الديكتاتورية، ويا لها من ديكتاتورية، فهي لا تزال مخيفة حتى بعد زوالها، والاحتلال الأجنبي والعنف الأعمى الناتج عن نهج الاحتلال الخاطئ، والذي يلقى تبريره عبر الدعوة الدينية.”

وعبر هذا التشخيص، يترابط لدى قصير الإرث الداخلي المدمر المتمثل في ديكتاتورية حزب البعث الصدامية، وهي سلطة تركت وراءها تصدعات مجتمعية غائرة وظلت “مخيفة حتى بعد زوالها” بسبب الألغام الهوياتية التي زرعتها في صلب المجتمع، مع العامل الخارجي المتمثل في الاحتلال الأمريكي عام 2003 الذي فكك بنية الدولة ومؤسساتها عوضاً عن إصلاحها. وينضاف إلى ذلك الارتداد الأيديولوجي المتمثل في نشوء العنف الأعمى الذي تدثر بالدين والمذهب، متخذاً من مواجهة الاحتلال تبريراً بديلًا للعمل السياسي الإيجابي والنهضوي.

ثالثاً: من “بروسيا العربية” إلى “الصومال الجديد” (تبدد الحلم)

هذا التضافر الكارثي بين الاستبداد والتدخل الخارجي قاد مباشرة إلى تبدد حلم تاريخي كبير كان يعلق آماله على العراق. فمن منظور مقارن، كان يُنظر إلى العراق في ثلاثينيات القرن العشرين كـ “بروسيا العربية”، تشبيهاً بمملكة بروسيا التي قادت توحيد ألمانيا بفضل قوتها العسكرية، وتنظيمها الإداري، وفكرها الاستراتيجي، ونخبتها المتعلمة. غير أن هذا المشروع التحديثي والتوحيدي المفترض تحول، تحت وطأة الديكتاتورية والاحتلال، إلى مشروع دولة فاشلة ومفككة. ويعبر قصير عن هذا التراجع المؤلم والصادم بقوله:

“وهنا يظهر تبديد الثروة بأبشع صوره، ويهدد بنشوء صومال جديد بدلاً من «بروسيا» العربية التي كان يعد بها العراق في ثلاثينات القرن الماضي.”

إن هذا التبديد الهائل للثروة المادية والبشرية سلب العراق دوره التاريخي كقاطرة محتملة للتحديث والتكامل الإقليمي، وحوّله عوضاً عن ذلك إلى بؤرة لتصدير القلق والاضطراب وتأجيج العصبيات في محيطه الجغرافي وجيرانه.

رابعاً: أزمة مفهوم العروبة وجدلية التوأمة مع سوريا

ولم يقف هذا الانهيار العراقي عند حدود التراجع المؤسساتي، بل إنه ضرب الفكرة القومية العربية (العروبة) في مقتل. فالعراق، الذي حكمه لعقود نظام جعل من شعارات العروبة أيديولوجيا رسمية للدولة، انتهى به المطاف إلى تشرذم هوياتي طائفي وعرقي. هذا التحول حوّل العروبة من مشروع “أمل وتكامل” إلى واقع من “التفسخ” الممتد وجرح نازف يتجاوز الحدود الجغرافية ليصيب دول الجوار مباشرة. ويشرح قصير هذا الانحدار الأيديولوجي قائلاً:

“هنا تتحول العروبة المأمولة إلى تفسخ سوف يستغرق وقتاً طويلاً قبل أن يزول. ويتفاقم هذا التفسخ باطراد في سوريا جارة العراق وأخته التوأم في البعث.”

ومن هذا المنطلق، يرسم قصير جدلية جيوسياسية وثيقة تجمع بين الجارتين (العراق وسوريا). فالبلدان محكومان تاريخياً بنظامين ينتميان إلى الأيديولوجيا البعثية ذاتها، وخضعا لعقود لخناق ديكتاتوري بوليسي أعدم الأفق السياسي للبلدين. غير أن التفسخ العراقي بعد عام 2003 بدأ يمد ظلاله كالنار في الهشيم نحو سوريا التي كانت تعيش بدورها اختناقاً بوليسياً ممتداً. ويوازن قصير بين طبيعة الاستبداد في الدولتين بقوله:

“فسوريا التي أحكم الخناق عليها منذ أربعين عاماً على يد ديكتاتورية، لعلها تكون أرحم من ديكتاتورية العراق…”

هذا الترابط الجيوسياسي العضوي جعل من سقوط العراق تحت الاحتلال والتطييف عامل ضغط خارجي وداخلي هائل على سوريا، مما عجل برسم ملامح الشقاء في المشرق العربي ككل، وجعل الانهيار العراقي بمثابة مقدمة لانهيارات إقليمية تالية.

خامساً: تآكل السيادة وتكريس العجز الشامل

في السياق العام لأطروحة الكتاب، يتجاوز المشهد العراقي أبعاده المحلية والإقليمية ليصبح الرمز الأكبر لـ “العجز العربي الكوني”. فالاحتلال الأجنبي المباشر لبلد عربي محوري قد قوّض أوهام السيادة والاستقلال، وأعاد تذكير الإنسان العربي بضعفه الإقليمي المطلق، محولاً الإرادة العربية إلى مجرد صدى لمشاريع دولية تُطبخ في عواصم القرار الخارجي، بينما تُنفذ وتُدفع أثمانها الباهظة في الداخل. ويصوّر قصير هذا الشعور العميق بالخيبة وفقدان السيادة قائلاً:

“شعور لم يعد قابلاً للكبت بعدما أعادت حرب العراق الإحتلال الأجنبي إلى الأرض العربية، وكان من نتائجها أن جعلت زمن الاستقلال في الهامش.”

 

في المحصلة، يتبدى العراق في فكر سمير قصير كـ “الأتون” الملتهب الذي تنبعث منه قتامة المشهد العربي وتجلياته المعاصرة. إن المأزق العراقي في “تأملات في شقاء العرب” ليس مجرد أزمة نظام سياسي، بل هو الإدانة الكبرى لفشل مفهوم “الدولة الوطنية” في المشرق العربي بصيغتها القائمة على الاستبداد والشعارات الجوفاء. وهو الشاهد الحي على كيف يتحول غياب الديمقراطية والتعددية، عندما يمتزج بالتدخل الأجنبي والتطرف الديني والمذهبي، إلى صيغة لتدمير الحداثة، وتفتيت المواطنة والفردية، وتكريس حالة الشقاء والعجز الإقليمي.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …