خيوط الظل: من شبكات “الـ Rebranding” والنفوذ الإقليمي إلى سيكولوجية الكفاءة والتحول الذاتي

في زاوية ما من الشارع أو على منصات التواصل الاجتماعي، قد يظهر شخص يمثل لبعض المراهقين نموذجاً “بطلاً”: تاجر مخدرات يحيط نفسه بمظاهر الثراء السريع، من سيارات فارهة وساعات باهظة الثمن. بالنسبة لمراهق يعاني من نقص في التقدير أو تهميش اجتماعي، فإن هذه المشاهد لا تمر مرور الكرام؛ بل تثير لديه كوامن الغيرة والحسد الإيجابي (أو السلبي). هذه الغيرة بالتحديد هي الأداة التي يعمد تجار النفوذ إلى استغلالها وتسخيرها.

بدلاً من أن يكون هؤلاء الشباب مجرد مستهلكين، يجري تحويلهم بلطف ودون دراية منهم إلى أدوات تخدم معارك أكبر بكثير من واقعهم المحلي. إنها معارك تديرها قوى إقليمية، وفي مقدمتها محاولات النظام السوري لإعادة صياغة تموضعه السياسي وعلاقاته الإقليمية مستفيداً من أدوات ناعمة وخشنة في آن واحد.

الـ Rebranding السوري في لبنان: من السلاح إلى “البرستيج” الاجتماعي

عقب سنوات من المواجهات المباشرة، أدرك النظام في دمشق أن أدوات السيطرة التقليدية في لبنان باتت تستهلك رصيدها بسرعة. من هنا ولدت فكرة “إعادة التموضع والبراندينغ” (Rebranding). لم تعد الواجهة تقتصر على الحلفاء السياسيين التقليديين، بل تم الانتقال إلى صالونات النخبة اللبنانية، عبر استقطاب وجوه اجتماعية من “الصف الأول” (A-listers)؛ شخصيات تتمتع بالقبول والوجاهة والقدرة على التأثير في الرأي العام وصناعة العلاقات العامة.

هذا التكتيك كان يهدف في عمقه إلى محاكاة نماذج شبكات النفوذ الكبرى في المنطقة، وتحديداً تلك التي بناها رجال أعمال وشخصيات بارزة مثل الأمير الوليد بن طلال، والتي تدمج بين المال، العمل الخيري، والعلاقات الدبلوماسية الرفيعة. غير أن الهدف هنا لم يكن تنموياً، بل كان محاولة لاستنساخ هذه الصيغة ونقلها إلى بيئات خليجية، وتحديداً إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، لتكون غطاءً ناعماً لعمليات اختراق وتواصل غير معلن.

اليقظة الأمنية وتفكيك مسارات التجسس

على الرغم من دقة التخطيط ومحاولة إضفاء طابع الوجاهة الاجتماعية والخيرية على هذه الشبكات، إلا أن القراءة الأمنية الاستباقية في دولة الإمارات كانت بالمرصاد. فقد نجحت الضربات الأمنية المركزة في تفكيك هذه الروابط وكشف الغطاء عن الأنشطة الحقيقية الكامنة وراء تلك الواجهات اللامعة.

تبين من خلال الرصد والتحليل أن مسارات صالونات النخبة المستنسخة لم تكن سوى قنوات لجمع المعلومات، وغسيل الأموال، والتجسس لصالح المنظومة الإقليمية الداعمة للنظام السوري. هذا الكشف لم يحبط المخطط فحسب، بل أكد على أن مرونة الأجهزة الأمنية قادرة على اختراق وتفكيك أكثر الشبكات تعقيداً مهما بلغت درجة تمويهها الاجتماعي.


البعد النفسي: سيكولوجية “الكفاءة” والتحول من الجريمة إلى البحث

خلف هذه الكواليس المعقدة، نجد أحياناً أفراداً كانوا جزءاً من هذه البيئات (أو على تماس وثيق بها) ثم قرروا سلوك مسار مختلف تماماً: مسار الأبحاث والدراسات حول الجريمة المنظمة. هنا تبرز الحاجة لفهم التركيبة النفسية لمن يخوض غمار هذا التحول، ولماذا يرفض هذا الشخص تهميش ماضيه أو التقليل من قيمة أبحاثه الحالية.

1. تحول صورة الذات والكفاءة كحاجة أساسية

في علم النفس التحفيزي، تشير نظرية التحديد الذاتي إلى أن الحاجة إلى الشعور بالكفاءة والقدرة هي حاجة أساسية وليست ترفاً. الشخص الذي عاش في عالم الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات كان يستعمل مهارات ذهنية عالية من تخطيط استراتيجي، إدارة مخاطر، وفهم دقيق للسلوك البشري للبقاء والنجاح.

عندما يقرر هذا الشخص الانتقال إلى كتابة الأبحاث حول الجريمة المنظمة، فإنه يقوم بـ “تحول داخلي في صورة الذات”. هو لا يرى في أبحاثه مجرد عمل أكاديمي عادي، بل يراها دليلاً على قدرته على تحويل مهاراته السابقة إلى أداة معرفية تفيد المجتمع. بالتالي، فإن الفرح بإنجازه هنا ليس غروراً، بل هو تثبيت لصورة صحية وجديدة عن ذاته بوصفه فرداً منتجاً وقادراً على العطاء القانوني والمفيد.

2. خطر “التحطيم” والوصمة الاجتماعية

غالباً ما يواجه التائبون أو المتحولون من بيئات الجريمة وصمة اجتماعية تحاول حصرهم في ماضيهم ومحو أي إنجاز حالي يقدمونه. هذا السلوك يقع ضمن مفهوم “التحطيم ومحو الإنجاز”. نفسياً، عندما يُقابل جهد هذا الباحث بالتقليل أو التحطيم، فإن ذلك يمس حاجاته النفسية الأساسية مثل الكفاءة والانتماء.

توضح الدراسات والجمعية الأمريكية لعلم النفس أن نقص التقدير في بيئة العمل أو البيئة الاجتماعية يُعد من العوامل المرتبطة مباشرة بالاحتراق النفسي (Burnout). بالنسبة لهذا الباحث، فإن تحطيم عمله الأكاديمي بذريعة تاريخه قد يؤدي إلى:

  • الشك بالذات: تراجع الإيمان بقدرته على التغيير الإيجابي.

  • الدفاعية والانسحاب: قد يفقد الرغبة في المحاولة ويتحول إلى بيئة سلبية أو يعود إلى أنماط التفكير الدفاعية القديمة.

  • انخفاض الأداء: تأثر الذاكرة والتركيز بسبب الضغط النفسي والشعور بعدم الجدوى.

3. التقدير كعامل إنتاجية وتوازن نفسي

على الجانب الآخر، فإن توفير بيئة تقدر القيمة العلمية الفريدة التي يقدمها (والتي تنبع من خبرته الميدانية السابقة التي لا تتوفر للباحث الأكاديمي التقليدي) يرسل رسالة واضحة: “ما تفعله الآن مرئي ومهم”.

هذا التقدير يرفع من تقدير الذات ويزيد من الإحساس بالجدارة، مما ينعكس عملياً على الإنتاجية عبر زيادة الالتزام، تحسن التركيز، والقدرة على الاستمرار تحت الضغط دون انهيار داخلي. إن إشاعة التقدير والاعتراف بالجهد العلمي يحمي هذا الشخص من الاحتراق النفسي ويحول إنجازه البحثي إلى طاقة استمرارية تحميه من العودة إلى مسارات الماضي.

 

يمكن تلخيص هذا التداخل المعقد بين الأمني والنفسي في فكرة واحدة:
مثلما يتطلب التصدي لشبكات النفوذ والتجسس يقظة أمنية صارمة ومستمرة لتفكيك خلايا الـ Rebranding الاجتماعي، فإن حماية الأفراد الذين يقررون بصدق الانفصال عن تلك الشبكات وتوظيف خبراتهم في الصالح العام تتطلب فهماً نفسياً عميقاً.

من حق الإنسان نفسياً أن يفرح بإنجازه العلمي المعاصر؛ لأن هذا الفرح يثبت صورته الجديدة ويحميه من التراجع. التقدير المعرفي لا يفسد العمل الجاد بل يحميه من الإنهاك، والبيئة التي تدرك كيفية استثمار الخبرات السابقة وتحويلها إلى أبحاث رصينة تسهم في تحصين المجتمع أمنياً وفكرياً، بدلاً من ترك هؤلاء الأفراد نهباً للإحباط والارتداد نحو دهاليز الظلام.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …