ديناميكيات تفكيك شبكات النفوذ والغطاء العملي في لبنان: دراسة هيكلية في تقاطع الأمن، السياسة، والجريمة المنظمة للجهات المسلحة الفاعلة من غير الدول (ANSAs)

تمر الساحة اللبنانية بمرحلة إعادة صياغة جذرية لقواعد الاشتباك الأمني والسياسي، تتجاوز حدود الضغوط السياسية التقليدية لتستهدف مباشرةً شبكات الدعم اللوجستي، والمالي، والأمني التي تُشكل الشريان الحيوي للجهات المسلحة الفاعلة من غير الدول (Armed Non-State Actors – ANSAs) مصنفة ارهابية. وتكشف القراءة الهيكلية للأزمات والقرارات الدولية الأخيرة عن سعي حثيث لتفكيك هذه المنظومة المركبة عبر استهداف الدوائر اللصيقة بالقيادات، وملاحقة شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، والتمييز الصارم بين حرية التعبير السياسي وبين تقديم الغطاء المادي والعملي للأنشطة العسكرية لهذه الجهات المسلحة.


1. الجهات المسلحة الفاعلة من غير الدول (ANSAs): الهجانة البنيوية ومفهوم الدولة الموازية

تُمثل الحالة اللبنانية نموذجاً دراسياً بارزاً لظاهرة الجهات المسلحة الفاعلة من غير الدول (ANSAs). وتتميز هذه الجهات بـ “الهجانة البنيوية”؛ إذ تجمع بين العمل السياسي والبرلماني الرسمي وبين الاحتفاظ بقدرات عسكرية مستقلة موازية لقوات الدولة الشرعية وتتجاوزها في بعض الأحيان.

وفي هذا الإطار، لم يعد حزب الله يُصنف كحركة مقاومة محلية فحسب، بل تحول تنظيمياً وعملياتياً إلى جهة مسلحة فاعلة من غير الدول ذات امتدادات إقليمية. وتعتمد ديمومة هذا النمط من الجهات المسلحة على ركيزتين أساسيتين:

  • الأولى: اختراق مؤسسات الدولة واستغلالها لتأمين غطاء شرعي للتحركات اللوجستية.

  • الثانية: بناء شبكات مالية وأمنية موازية تعتمد على الجريمة المنظمة العابرة للحدود لتجاوز قنوات الرقابة الرسمية والمحلية.


2. تفكيك الدائرة اللصيقة بنبيه بري: شبكة أيمن جمعة والمصاهرة العائلية

لا يمكن قراءة العقوبات الدولية الأخيرة بمعزل عن مسار أمني يستهدف تقويض البيئة اللصيقة برئيس مجلس النواب اللبناني ورئيس حركة أمل، نبيه بري، بصفته حليفاً أساسياً وموفراً للغطاء السياسي لأبرز الجهات المسلحة الفاعلة من غير الدول في لبنان.

وتُظهر الوقائع التاريخية أن هذه العقوبات لا تمثل سابقة؛ إذ سبق أن وُضعت شبكات مالية مرتبطة برجل الأعمال أيمن جمعة تحت مجهر الملاحقة الدولية. ووفقاً لتقارير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، صُنفت شركات “الأوفشور” التابعة لجمعة كشبكة مالية غير مشروعة تنشط في تهريب المخدرات وتبييض الأموال بين أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط. وقد تورط في هذه الأنشطة البنك الكندي اللبناني، الذي تم دمجه لاحقاً مع مصرف “الصحناوي”.

وعلى الرغم من أن جمعة مُسجل رسمياً في منطقة “مزيارة” الشمالية بينما ينتمي بري إلى منطقة جنوبية أخرى، إلا أن رابط المصاهرة يجمعهما؛ لكون جمعة متزوجاً من ليلى بري، ابنة نبيه بري من زوجته السابقة (وليس الحالية). بناءً على هذه المعطيات، فإن العقوبات المفروضة على هذه الدائرة لا تُصنف كرسالة سياسية عادية، بل كرسالة أمنية مباشرة موجهة لبري ومحيطه الاجتماعي والسياسي لتقويض هذا النمط اللوجستي.


3. التهديدات الأمنية الموازية ودور الغطاء الإعلامي والدبلوماسي

يتصل مسار الضغوط الأمنية بنمط أوسع من الحملات التي تستهدف البيئة المحيطة بحلفاء الجهات المسلحة؛ حيث برزت في الداخل اللبناني ديناميكيات تقوم فيها أطراف قريبة من الأجهزة الأمنية (والمحسوبة سياسياً على البيئة ذاتها) بتوجيه تهديدات مبطنة، يتبعها استهداف ميداني مباشر لشخصيات معينة عقب كل تهديد في إطار نمط اختراقي متكرر.

وتكشف المعطيات أن الجهة التي كانت تقوم بإرسال رسائل التهديد هذه في بعض الأحيان هي جهة إعلامية؛ ونظراً لأن المنظومة الإعلامية المعنية تمتلك قنوات ومهام ذات طابع دبلوماسي في لبنان، فقد قامت بتسهيل هذا النشاط. بناءً على ذلك، فإن هذا الاستهداف ليس موجهاً لحركة أمل بحد ذاتها كإطار حزبي، بل هو استهداف مباشر للنشاط العسكري والأمني الموازي الذي يستغل الغطاء السياسي لتنفيذ اغتيالات سياسية، وإشعال حروب، وممارسة الترهيب.


4. استغلال الدولة والتحالفات المركبة: من “المقاومة” إلى الترسانة العسكرية الثقيلة

تستند استراتيجية تمدد الجهات المسلحة الفاعلة من غير الدول في لبنان إلى استغلال ثغرات هيكلية في الدولة بهدف خلق حالة من “الهشاشة” السياسية والأمنية كأرضية لإدارة الحروب والأزمات. ولكي يتمكن حزب الله من إدارة عملياته العسكرية وتطوير ترسانته، اعتمد على استخدام وتوظيف أجهزة الدولة ومرافقها الرسمية لتسهيل استيراد، وتمرير، وتصنيع المواد اللوجستية الأساسية المستخدمة في صناعة الطائرات المسيرة (الدرونز) والأسلحة الثقيلة، متميزةً عن الأسلحة الفردية الخفيفة.

وقد تأسست هذه المنظومة وتمددت بفضل شبكة تحالفات مجتمعية وسياسية عابرة للطوائف، ضمت حركة أمل والتيار الوطني الحر وقوى أخرى، مما وفّر غطاءً سياسياً واجتماعياً واسعاً للحزب كجهة مسلحة فاعلة من غير الدول. وقد مكنت هذه الحاضنة الحزب من تجاوز المفهوم التقليدي لـ “المقاومة” ـ خاصة بعد تحرير معظم الأراضي اللبنانية ولم يعد هناك أراضٍ محتلة تذكر عقب الوصول إلى مرحلة التحرير ـ لينتقل إلى مرحلة فرض الهيمنة العسكرية والسياسية محلياً وإقليمياً عبر ترسانة عسكرية ضخمة ومستقلة، وهو نشاط عسكري تعتبره الدولة اللبنانية (ممثلةً برئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة) غير قانوني.


5. المسؤولية التشاركية عن الاغتيالات وانكشاف الغطاء السياسي

مع تزايد الضغوط الدولية والمحلية، تدخل العلاقة بين الجهات المسلحة الفاعلة من غير الدول وحلفائها السياسيين مرحلة حرجة من الانكشاف والمسؤولية المباشرة. فمن الآن فصاعداً، يترتب على أي عملية اغتيال سياسي أو خطوة أمنية جديدة تُسلط عليها الأضواء تداعيات مباشرة على هؤلاء الحلفاء؛ إذ سيعني ذلك تصنيفهم كشركاء متورطين ومسؤولين بصفة مباشرة عن هذه التجاوزات.

هذا الانكشاف يضع الحلفاء السياسيين في دائرة الاستهداف المباشر والاغتيال بدلاً من بقائهم مجرد واجهة يتلطى خلفها حزب الله لتمرير نشاطه العسكري والأمني تحت غطاء المناورة السياسية. وبما أن السلطة التنفيذية اللبنانية الرسمية قد صنفت هذا السلوك العسكري الموازي بالخروج عن القانون، فإن استمرار الحلفاء في توفير الغطاء السياسي له يُعد شكلاً من أشكال الفساد البنيوي والاشتراك الفعلي في تقويض سلطة الدولة، مما يرفع الكلفة السياسية والأمنية لتوفير هذا الغطاء.


6. معايير الاستهداف الدولي وتأثير العقوبات على القدرات المالية والأمنية

عند تحليل حدود العقوبات والملاحقات الدولية، يظهر تمايز بنيوي هام بين “تبني الرأي السياسي” وبين “توفير الغطاء العملي والمادي” للأنشطة غير المشروعة للجهات المسلحة (ANSAs):

  • حالة صحيفة “الأخبار” اللبنانية: تتبنى الصحيفة خطاً تحريرياً وسياسياً داعماً لحزب الله، إلا أنها كمؤسسة إعلامية تظل ممتثلة للنظام المصرفي الرسمي والقوانين، ولا تشارك في إمدادات السلاح، ولديها قنوات تواصل وعلاقات مالية رسمية (بما في ذلك مع فلسطينيي الداخل 48 الحاملين للجنسية الإسرائيلية). وهي بذلك تتصرف كـ “جهة غير حكومية” غير مسلحة (Non-State Actor)، وتلتزم بالقوانين المصرفية والمدنية دون تقديم غطاء عسكري أو أمني.

  • حادثة الصحفية آمال خليل: في الأزمة الأمنية التي واجهتها الصحفية آمال خليل، لم يتم الاستعانة بحركة أمل أو بمقاتلي حزب الله لإنقاذها، بل تُرك الأمر بالكامل لجمعية الصليب الأحمر لتقوم بمهامها الإنسانية حتى الرمق الأخير. هذا السلوك يؤكد تصرف المؤسسة كمنظمة إعلامية تمتثل للحدود القانونية، دون تقديم غطاء مادي أو أمني ميداني للعمليات العسكرية.

في المقابل، تتوجه الملاحقات الأمنية والعقوبات الدولية نحو تفكيك المنظومة اللوجستية والمالية التي تسهل الأنشطة غير المشروعة للجهات المسلحة، والتي تشمل:

  1. تسهيل مرور وتهريب السلاح.

  2. دعم الإرهاب والعمليات العسكرية والقتل والاغتيال السياسي.

  3. شبكات الجريمة المنظمة مثل تهريب المخدرات، والدعارة، وتبييض الأموال التي تُستخدم كقنوات لتمويل العمل المسلح.

وفي هذا السياق، تؤدي العقوبات دوراً حاسماً في تجفيف الموارد المالية؛ إذ تمنع الحلفاء المتورطين من تسييل أصولهم وأموالهم الخاصة أو توظيفها في خدمة هذه المنظومة غير القانونية، طالما أن الدولة اللبنانية تصنف هذه الأنشطة بالخارجة عن القانون ولا يوجد دافع وطني أو قانوني للقيام بها. كما تساهم هذه العقوبات في وضع الأجهزة الأمنية الرسمية أمام مسؤولياتها القانونية، مما يجبرها على الامتثال لقرارات الدولة الرسمية والالتزامات الدولية، بدلاً من التغطية على الأنشطة الأمنية الموازية.

وتقديراً لهذا الترابط بين الفساد والجريمة المنظمة، جاء فرض العقوبات على رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل تحت بند الفساد؛ إذ يُنظر للفساد السياسي والإداري كأداة هيكلية تساهم في حماية وتمكين منظومة الجريمة وتأمين التغطية اللازمة لأنشطتها اللوجستية والمادية.


 

تُشير القراءة المتكاملة للمشهد اللبناني إلى أن الضغوط الدولية والمحلية انتقلت بوضوح إلى مرحلة التفكيك الهيكلي لشبكات الدعم المادي واللوجستي التي تعتمد عليها الجهات المسلحة الفاعلة من غير الدول (ANSAs) للبقاء والنمو. ومن خلال استهداف شبكات التمويل العابرة للحدود، ومحاصرة الفساد الذي يمثل بيئة حاضنة للجريمة المنظمة، وقطع خطوط إمداد السلاح والمسيرات، يواجه هذا النمط الهجين من التنظيمات استحقاقاً دقيقاً يفصل فصلاً تاماً بين حرية الموقف السياسي وبين التورط في تقديم تسهيلات ميدانية وعملية للأنشطة الأمنية والعسكرية خارج إطار الدولة وقوانينها، مما يضع الحلفاء الموفرين للغطاء أمام مسؤولياتهم القانونية والأمنية المباشرة ويجبر الأجهزة الأمنية الرسمية على الامتثال لقرارات السلطة الشرعية.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …