مقاربات الدولة والسلطة بين الاستبداد الحديث والديمقراطية التوافقية: قراءة في فكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين

إن الأنظمة الاستبدادية الحديثة تبنت فلسفات حكم استبدادي مطلق (مثل أطروحة توماس هوبز)، حيث يُجرّد الإنسان من حريته وكرامته لصالح كيان تجريدي يُعطى قداسة شبه دينية وهو «الدولة».

ويوضح الشيخ محمد مهدي شمس الدين أن هذا المفهوم يجعل «الدولة» بديلاً عن الله، حيث تحكم باسمها وتحت شعارها «مجموعات من الرجال المستبدين، يمارسون باسم القانون والدولة والشعب» أبشع أنواع القمع ويحولون بين الشعب وبين التعبير عن ذاته وحريته.

ومن هذا المنطلق الفلسفي، تبرز إشكالية العلاقة بين الدولة والمجتمع في المشرق العربي والإسلامي. فقد شهدت المنطقة صعود أنظمة سلطوية استوردت نموذج الدولة المطلقة تحت شعارات العلمانية والاشتراكية والقومية، ووظفتها كستار لترسيخ حكم فئات ضيقة وممارسة الإقصاء السياسي والثقافي ضد المجتمعات المحلية ومكوناتها التاريخية. ويرى الشيخ شمس الدين أن هذه الأنظمة الاستبدادية لم تكتفِ بتعطيل الفاعلية الشعبية، بل سعت كذلك إلى تحميل الأفكار الدينية والموروث الحضاري مسؤولية الهزائم والإخفاقات التنموية (كهزيمة حزيران 1967) للتغطية على فشل أطروحاتها المستوردة.

وفي مقابل هذه الدولة الاستبدادية المطلقة، يقدم الفكر السياسي الحديث أطروحة “الديمقراطية” كآلية تهدف إجرائياً إلى نقل السيادة من الفئة الحاكمة المستبدة إلى الأمة أو الشعب. ومع ذلك، يسجل شمس الدين تمايزاً معرفياً بين المرجعية الديمقراطية الغربية القائمة على الفلسفة الليبرالية العلمانية (والتي تمنح الأغلبية سلطة التشريع المطلق دون ضوابط أخلاقية عليا)، وبين الرؤية الفكرية التي تنطلق من الذات الحضارية للأمة.

لذلك، سعى الشيخ شمس الدين إلى البحث عن الرديف المكافئ والموضوعي للديمقراطية ضمن الموروث الديني والشرعي نفسه، واجداً إياه في مفهوم “الشورى” وضابط “ولاية الأمة على نفسها”، طارحاً صيغة “الديمقراطية القائمة على مبدأ الشورى”.

ويتجلى هذا الرديف الديني في التطبيق العملي والفقيه المعاصر عبر ركيزتين أساسيتين:

  1. إلزامية الشورى: يذهب شمس الدين فقهياً إلى أن الشورى في الإسلام هي ممارسة مُلزمة للسلطة الحاكمة وليست مجرد استشارة مُعلِمة غير ملزمة. وبذلك، تصبح مؤسسات الأمة المنتخبة وممثلوها أصحاب كلمة فصل في إدارة الشأن العام.

  2. تسييس الأمة والمشاركة الدستورية: يُترجم هذا المفهوم تطبيقياً إلى آليات حديثة تقوم على الانتخابات الدورية، وتداول السلطة، ومراقبة الحاكم ومحاسبته، مما يسحب البساط من دعاوى الاستبداد الديني (الثيوقراطي) أو الاستبداد المدني العلماني على حد سواء.

وعند نقل هذه النظرية التشاركية إلى الواقع التطبيقي في المجتمعات المتعددة دينياً ومذهبياً كالمجتمع اللبناني، تتخذ المعالجة بعداً آخر؛ حيث يوجه الشيخ شمس الدين نقدًا بنيويًا لـ**”الطائفية السياسية”**، معتبرًا إياها تشريعًا وضعيًا علمانيًا عائقًا للعدالة الاجتماعية ومنتجًا للمحاصصة الفئوية، ويدعو إلى إلغائها لإقامة دولة المواطنة والكفاءة.

ولكن، لضمان ألا تتحول الديمقراطية إلى ممارسة عددية بسيطة تهمش الأقلية، تراجع الشيخ عن فكرة “الديمقراطية العددية المطلقة” لصالح “الديمقراطية التوافقية”. وتهدف هذه الصيغة التوافقية والتشاركية أساسًا إلى طمأنة المكون المسيحي وحفظ دوره الفاعل في إدارة شؤون البلاد، انطلاقاً من مبدأ العيش المشترك والشراكة التاريخية. وبذلك، تُدار الدولة على أساس المواطنة والعدالة الإدارية، مع الحفاظ على التوافق السياسي الذي يحمي السلم الأهلي والتعددية.

إن هذه الرؤية الفكرية والسياسية المترابطة تقدم مقاربة متوازنة تسعى لرفض الاستبداد بكافة أشكاله، وتؤسس لنموذج حكم مدني يستلهم مبادئ الشورى والعدالة، ويصون كرامة الإنسان وحقوق المكونات المجتمعية في إطار من التوافق والشراكة الوطنية الحقيقية.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …