من الدبلوماسية الدولية إلى الميدان اللبناني: آليات النقلة النوعية ومعضلة السيادة

تطرح التطورات السياسية والعسكرية الأخيرة في لبنان سؤالاً بنيوياً حول الآلية التي يمكن من خلالها تحقيق النقلة النوعية من “الوثيقة الدولية الهامة”—التي تُصاغ في أروقة الدبلوماسية الخارجية—إلى “الواقع اللبناني” المعقد ميدانياً. إن هذه النقلة لا تمثل مجرد إجراء إداري أو توقيع بروتوكولي، بل هي عملية تحول سياسي معقدة تتطلب ردم الفجوة العميقة بين الشرعية القانونية الخارجية والموافقة السياسية الداخلية. ولكي يتحول النص الدبلوماسي إلى واقع مستدام على الأرض دون التسبب في انقسام داخلي، يبرز مسار إلزامي يمر عبر “توطين الاتفاق”؛ أي ترجمة الالتزامات الدولية إلى تفاهمات وطنية ملموسة، وصياغة استراتيجية دفاعية وطنية تشاركية تستوعب السلاح وتحدد دور الجيش، بدلاً من الاعتماد على منطق الإملاء الخارجي الذي أثبتت التجارب التاريخية عجز السلطة الرسمية عن إنفاذه بمفردها بمجرد توقيع معاهدة.

وفي هذا الإطار التفصيلي، تقدم فرضية الكاتب والمحلل الأمني والسياسي الفرنسي “آلان بوير” (Alain Bauer) إطاراً تفسيرياً ملائماً لتحديات هذه النقلة النوعية؛ حيث ترى أن الدولة اللبنانية تفاوض بصفتها الرسمية، لكنها تفاوض بمعزل عن القوى الحقيقية المهيمنة على الأرض، مما يجعل الاتفاق الإطاري وثيقة قانونية هامة دولياً، ولكنه يفتقر إلى آليات التنفيذ الفعلية محلياً.

إن هذا العجز الإجرائي المرتبط بالدولة اللبنانية على أرض الواقع ليس نتاجاً لظروف طارئة، بل هو مظهر من مظاهر أزمة بنيوية أعمق؛ فالمنظومة السياسية اللبنانية قائمة في جوهرها على منطق “التوافق الطائفي” الذي تحول على مر السنين إلى نظام محاصصة سياسية وإدارية يغطي شبكات المصالح الفئوية. وتتغذى هذه البنية من تقاسم مفاصل الإدارة العامة وإخضاعها لمنطق الفساد الممنهج والزبائنية، حيث لا تُستثنى من ذلك حتى التعيينات الإجرائية والدبلوماسية الروتينية كتعيين السفراء في الخارج، والتي تخضع لمعايير الولاء الطائفي والحزبي بدلاً من الكفاءة والمصلحة الوطنية. هذا الواقع يجعل من مؤسسات الدولة كيانات مشلولة وعاجزة بنيوياً عن اتخاذ قرارات استراتيجية حاسمة أو إنفاذ القانون؛ إذ إن أي محاولة لتطبيق التزامات دولية صارمة تمس بموازين القوى بين أطراف هذه المحاصصة ستؤدي فوراً إلى تعطيل العمل الحكومي، أو تفكك السلطة التنفيذية، مما يحرم الدولة من القدرة على فرض سيادتها بقوتها الذاتية.

ويتجلى البعد الآخر لهذه المعضلة في التناقض الحاد بين القيمة القانونية الدولية للاتفاق وعجزه الإجرائي على أرض الواقع. فبالنسبة للمجتمع الدولي، تظل الدولة اللبنانية—ممثلة برئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام—هي الطرف الشرعي الوحيد القابل للتعاقد والالتزام. ويجد هذا المنطق صدى قوياً لدى قوى سياسية داخلية، وعلى رأسها رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، الذي يرى في هذه المفاوضات فرصة هامة لاستعادة السيادة وإنهاء الشلل الناجم عن هيمنة السلاح غير الشرعي. ويتلاقى هذا الطرح مع موقف البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي، الذي يؤكد على الصفة الوطنية والجامعة لمقام الرئاسة، معتبراً المفاوضات ملفاً سيادياً رسمياً يجب ألا يخضع للمساومات الفصائلية أو الطائفية.

إلا أن هذه الشرعية الدستورية تفقد فاعليتها الميدانية عندما تصطدم بغياب التنسيق مع القوى الفعلية المسيطرة على الأرض. لا تقتصر هذه الفجوة على الجانب السياسي المحض، بل تمتد لتطال الآليات الإجرائية لإدارة التفاوض داخلياً. وهنا تتقاطع فرضية بوير مع الانتقادات التي وجهها معسكر بري وحزب الله؛ حيث أشار مسؤول العلاقات العامة في الحزب، يوسف الزين، إلى أن المفاوضات أدارتها الرئاسة بشكل أحادي، مقارناً إياها باتفاقية ترسيم الحدود البحرية السابقة مع قبرص التي سلكت مساراً دستورياً واضحاً عبر البرلمان. إن إقصاء الشركاء السياسيين الفاعلين ميدانياً وتأخير إطلاع الحكومة على مسودة التفاوض حتى الجولات الأخيرة يجرّد أي اتفاق دولي من أدوات تطبيقه المحلية.

هذا الانفصال بين الصياغة الدبلوماسية والقدرة على الإنفاذ يفرض تساؤلاً جوهرياً حول كلفة التطبيق. ففي غياب احتكار الدولة لوسائل القوة، يصبح فرض ترتيبات أمنية أو نزع سلاح حزب الله قسراً وبضغط خارجي وصفة مباشرة للصدام الداخلي. ومن هذا المنطلق، جاء تحذير رئيس مجلس النواب نبيه بري من خطورة تحويل الاتفاق إلى “إملاءات” تهدد السلم الأهلي وتفتح الباب أمام الفتنة، مشبهاً الطرح الراهن باتفاق 17 أيار 1983 الذي ولد ميتاً لافتقاره إلى الواقعية الميدانية والتوافق المحلي. وتدعم هذا الموقف قراءة عضو المكتب السياسي لحركة أمل، حسن قبلان، والنائب علي المقداد، اللذين يؤكدان أن ترتيبات الدفاع وسلاح المقاومة هما مسألة توافق وطني داخلي وليست شروطاً تُفرض دولياً على سلطة رسمية لا تملك القدرة على تنفيذها.

وتتبدى واقعية فرضية بوير أيضاً عند تحليل الشروط الفنية والميدانية للتطبيق. فالزعيم الدرزي وليد جنبلاط، ورغم دعمه المبدئي لسيادة الدولة والجيش، اتخذ موقفاً حذراً محذراً من السقوط في فخ “نموذج أوسلو” والصيغ الرمادية التي تنهار عند ملامستها أرض الواقع. ويرى جنبلاط أن نزع السلاح لا يمكن أن ينجح كإجراء معزول، بل يجب أن يترافق بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي كامل وتقوية قدرات الجيش اللبناني لضمان عدم تحول البلاد إلى ساحة للمقايضات الإقليمية. ويتطابق هذا التحذير مع الطرح الميداني الفعلي لحزب الله، الذي يفصل بين أمن جنوب الليطاني (حيث يقبل بوجود الجيش حصراً فور الانسحاب الإسرائيلي) وسلاح شمال النهر الذي يصر على إبقائه خاضعاً للحوار الداخلي والاستراتيجية الدفاعية، مما يعزز فرضية أن الاتفاقات الدولية تظل عاجزة ما لم تحترم موازين القوى الميدانية.

ولا تقتصر حدود هذه الفرضية على الشق الأمني، بل تمتد إلى الملفات الإنسانية والاقتصادية؛ إذ يرى المحلل السياسي قاسم قصير أن عملية التعافي المبكر وإعادة الإعمار في الجنوب والضاحية لا يمكن أن تنطلق بضمانات ورقية دولية فقط في ظل غياب الثقة بالترتيبات الأمنية الرسمية. ويضاف إلى ذلك تذكير حسن قبلان بالثوابت الدستورية المتعلقة برفض توطين اللاجئين الفلسطينيين، وهو ملف حيوي أغفله الاتفاق الإطاري رغم حساسيته البالغة للاستقرار اللبناني. يضاف إلى ذلك إصرار علي المقداد ويوسف الزين على ضرورة تأمين العودة الآمنة والكاملة للمهجرين دون السماح لإسرائيل بفرض مناطق عازلة، وهو ما يتطلب جبهة وطنية موحدة مدعومة بجهود دبلوماسية تشمل فرنسا والفاتيكان، بدلاً من الاعتماد الحصري على الوساطة الأمريكية المنحازة.

في الختام، يضع اتفاق الإطار لبنان أمام معضلة بنيوية تدعمها فرضية “آلان بوير” بشكل جلي؛ فبينما ينجح التمثيل الرسمي اللبناني في إنتاج صكوك قانونية مقبولة دولياً، تظل هذه الشرعية عاجزة ميدانياً ما لم تتناغم مع موازين القوى والتوافقات الداخلية. إن النقلة النوعية المطلوبة تتطلب الانتقال من منطق “الفرض القانوني” إلى منطق “التوطين السياسي للاتفاق”؛ وبغير ذلك، يهدد الاتفاق بجر البلاد إلى انقسام داخلي يعيد فتح خطوط التماس الأهلية، مما يجعل التوافق الداخلي هو الممر الإلزامي الوحيد لتحويل الورق الدبلوماسي إلى واقع مستدام.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …