تطرح القراءة التاريخية والوثائقية لظاهرة الماسونية الرمزية في القرن الثامن عشر تفنيداً أكاديمياً هادئاً للمواقف العقائدية والتشريعية التقليدية للكنيسة الكاثوليكية، وهي المواقف التي تشكلت تاريخياً عبر مراسيم بابوية توجسية رأت في المحافل تهديداً لاهوتياً وسياسياً يروج للإلحاد والمذهب الطبيعي واللامبالاة الدينية والتآمر على الأنظمة الشرعية. بيد أن فحص الوثائق التأسيسية والدراسات التاريخية والسير الذاتية لرواد الحركة الأوائل — لا سيما أبحاث المؤرخ ر. ويليام وايزبرغر، والمصلح التنويري بنجامين فرانكلين، والمؤرخة أودري كاربنتر، فضلاً عن الأطروحات الفلسفية المعاصرة في لاهوت الدين والجماليات — يكشف عن بنيان فكري وعملي متسق يعمل كرافد أخلاقي واجتماعي داعم للإيمان والاستقرار المدني، ويقوم على تفاعل عميق وخلاق بين التدين الفردي للمنتسب وبين طقوس المنظمة التي تحتفي بالعلوم الإنسانية وتحترم الخصوصيات العقائدية.
إن الجوهر الفلسفي والعملي للماسونية الرمزية يرتكز على آلية دقيقة ومنظمة للتفاعل بين الدين الفردي الذي يحمله العضو مسبقاً في وجدانه، وبين الطقس الجماعي المعتمد داخل المحفل؛ فالمنظمة لم تطرح نفسها يوماً كعقيدة لاهوتية بديلة أو كنيسة موازية تسعى لنسخ الأديان القائمة، بل كانت تدعو المنتسب الجديد — كاثوليكياً كان، بروتستانتياً، أم يهودياً — لكي يجلب معه إيمانه الخاص وتدينه الذاتي ليتفاعل مع طقس كوني يضع الفضيلة والعلوم الطبيعية كأولوية قصوى. ويتأسس هذا التفاعل على جعل العلوم والرياضيات، وتحديداً الفلسفة التجريبية والفيزياء النيوتونية، الأداة الكبرى لتمجيد الخالق وفهم نظامه الكوني؛ حيث تصبح دراسة قوانين الطبيعة وبنيانها الهندسي وسيلة لتعميق الإيمان الفردي وترسيخه، انطلاقاً من المبدأ القائل بأن انتظام الطبيعة وجمالها البديع يعكسان حكمة “مهندس الكون الأعظم” وتصميمه الذكي للوجود (تاليافيرو، 2023). ومن هذا المنطلق، لا يجد المنتسب صداماً بين ولائه الروحي الخاص وتدينه الفردي وبين انخراطه في طقوس المحفل؛ بل يرى في دراسة الهندسة والعلوم الطبيعية والرياضيات وسيلة عقلانية تعاضد إيمانه بالله وتدفعه لتمجيده عبر فهم قوانين خليقته (أندرسون وفرانكلين، 1734).
تتأكد هذه الرؤية التوحيدية الراقية في المادة الدستورية الأولى والأساسية التي تحكم المحافل، والتي تحظر الإلحاد صراحة وتصفه بأنه جهل ينافي العقل السليم، وتلزم البنّاء بعهد صارم لطاعة القانون الأخلاقي مستحضرة لغة العهد القديم في رقابة الخالق للقلوب والسرائر (أندرسون وفرانكلين، 1734). وتتطابق هذه الصياغات الدستورية مع أفكار كبار فلاسفة العلم النيوتونيين في عصر التنوير، الذين رأوا أن انتظام الكون وحساباته الدقيقة وقوانين الجاذبية والحركة لا يمكن أن تصدر إلا عن إرادة وسلطان كائن كلي العلم والقدرة (تاليافيرو، 2023؛ كاربنتر، 2011). ومن ثم، دافع رائد الماسونية الرمزية وعالم الفيزياء والرياضيات القس جون تيو فيلس ديساجوليرز عن هذا الاندماج الوثيق بين الإيمان والمنهج العلمي التجريبي، مؤكداً أن الاستقصاء العميق لقوانين الطبيعة وخباياها يعيد العقل البشري حتماً إلى الحس الديني الراسخ بحكمة الله وعنايته بالكون، وهو الطرح الذي يقاوم بقوة الاختزال المادي للمذهب الطبيعي العلمي عبر ما يُعرف في الفلسفة التوحيدية بـ”حجة العقل” و”حجة الجماليات الكونية”، حيث يُنظر إلى الفن والهندسة والجمال الكوني كأدلة عقلانية واضحة ترجح كفة الإيمان بالخالق (تاليافيرو، 2023؛ كاربنتر، 2011).
ويقودنا هذا الترابط البنيوي بين الإيمان الفردي والطقس العلمي إلى فهم المرجعية المسيحية التأسيسية للمحافل؛ إذ تشير السجلات والوثائق الرسمية إلى أن الصياغة الأولى لدستور الماسونيين الأحرار عام 1723 و1734 وضعها ودونها رجال دين مسيحيون بارزون، مثل القس المشيخي الاسكتلندي الدكتور جيمس أندرسون الذي خدم كراعٍ لثلاث كنائس مسيحية في لندن، وعاضده في رعاية وتأسيس المحفل الأكبر القس الأنجليكاني ديساجوليرز (دانيالز، 2014؛ كاربنتر، 2011). ومن الناحية التاريخية والمهنية، ارتبطت نقابات البنائين الأوائل تاريخياً بكنائسها الرعوية المحلية، وتولى الملوك والنبلاء وكبار رجال الدين المسيحيين رئاسة هذه المحافل القديمة بدافع الغيرة الإيمانية لتشييد الهياكل والمقدسات الدينية الكبرى لتمجيد الله (دانيالز، 2014؛ أندرسون وفرانكلين، 1734). ولذلك، لم يجد المسيحيون الكاثوليك الملتزمون والرهبان اليسوعيون والعلماء في وسط أوروبا أي غضاضة في الانتساب لمحافل التنوير، بل انخرطوا فيها ككاثوليك ماسونيين تنويريين ساهموا بقوة في رعاية الفكر والعلوم وبناء المستشفيات والمؤسسات الخيرية، مثل تجربة محفل “الانسجام الحقيقي” بفيينا الذي حظي بدعم رعايا مخلصين كالقساوسة والموسيقيين الكبار وفي مقدمتهم موزارت، الذي آمن بانسجام الطقس الماسوني مع لاهوت الكنيسة في دعوتهما المشتركة للطهارة الأخلاقية والترقي الروحي (وايزبرغر، 2017).
وعلاوة على هذا الانسجام الإيماني، تقدم الوثائق الدستورية تفنيداً قاطعاً لتهم التآمر السياسي والتخريب الموجهة تاريخياً ضد المحافل؛ إذ يفرض الدستور التأسيسي على العضو التزاماً قانونياً صارماً بالولاء التام للدولة ورفض الدسائس والمؤامرات السياسية، واعتبار الماسوني رعية مسالمة يسعى لسلامة وطنه ورفاهيته ويحترم الحكام المدنيين (أندرسون وفرانكلين، 1734). ويتأكد هذا المبدأ السلمي حتى في الأناشيد الرسمية المعتمدة داخل المحافل التي تتبرأ صراحة من الفتن، وتؤكد رعاية الفضيلة والعمل الإنساني والخيري كتمويل كليات الطب والمستشفيات العامة وإقامة المدارس ودور الأيتام، وهي مشاريع اجتماعية مدنية تتماشى مع مبادئ التنوير الإنساني ولا صلة لها بأي تآمر سياسي (أندرسون وفرانكلين، 1734؛ وايزبرغر، 2017).
ويبرز دور هذا الطقس الرمزي المحايد في كونه لم يسعَ يوماً لتهميش المعتقدات الدينية أو فرض “اللامبالاة الدينية”؛ بل صُمم المحفل ليكون “مركزاً للاتحاد” ومساحة محايدة وآمنة أخلاقياً تتيح لأتباع الديانات والمذاهب المختلفة (من كاثوليك وبروتستانت ويهود) اللقاء والتعايش السلمي، وهو ما كان ضرورة ملحة لإنهاء دوامات الحروب الطائفية والمذهبية المدمّرة التي مزقت أوروبا عقب حركة الإصلاح الديني (أندرسون وفرانكلين، 1734؛ وايزبرغر، 2017). ومن هذا المنطلق، لم يطالب المحفل العضو بإقصاء دينه الفردي، بل طالبه صراحة بأن يبرهن على رقي دينه الفردي وتميزه عبر طهارة سلوكه وسمو فضائله العملية أمام الآخرين (أندرسون وفرانكلين، 1734). ولهذا، وصفت السجلات التاريخية المعاصرة لروح المحافل في عصر التنوير هذا التفاعل بأنه يثمر تسامحاً كبيراً يجمع في وئام إنساني خلاق أولئك الذين فرقتهم الانقسامات الطائفية والسياسية المورثة (كاربنتر، 2011).
تأسيساً على هذا المنظور المتكامل، تقدم الشواهد النصية والتاريخية تفنيداً رصيناً للمخاوف والاتهامات الكنسية الكاثوليكية الموجهة للماسونية الرمزية. فالمنظمة في أصلها الدستوري التأسيسي وعملها التنويري التاريخي هي حركة توحيدية تؤمن بالخالق وترفض الإلحاد صراحة، وتُلزم رعاياها بالولاء التام للدول ونبذ المؤامرات، وتدعو إلى التسامح والتعايش السلمي لإنهاء الصراعات الطائفية، وتستند إلى جذور مهنية ارتبطت تاريخياً بعمارة الكنائس المسيحية ورعاها قساوسة ملتزمون، حيث يتفاعل الإيمان الفردي للمنتسب مع طقوس المنظمة التي تحتفي بالعلوم وهندسة الكون لتمجيد الله وخدمة الإنسانية. وبناءً عليه، يظهر تباين شاسع وملموس بين التوجس اللاهوتي الافتراضي للفاتيكان، وبين الحقيقة الموثقة لنصوص وأهداف وممارسات الماسونية الرمزية كشريك اجتماعي وأخلاقي في حضارة عصر التنوير البشري.
قائمة المراجع
-
أندرسون، ج.، وفرانكلين، ب. (1734). دستور الماسونيين الأحرار (طبعة إلكترونية منقحة ومحققة بواسطة ب. رويستر، 2006). مطبوعات ديجيتال كومنز، جامعة نبراسكا لينكولن.
-
تاليافيرو، ش. (2023). اللاهوت والمذهب الطبيعي. موسوعة سانت أندروز للاهوت، جامعة سانت أندروز.
-
دانيالز، ر. (2014). تكاليف الماسوني بشأن الله والدين: كلمة أُلقيت في الخدمة الإلهية السنوية بكنيسة القديس أندروز المشيخية. محفل منطقة واترلو الأكبر.
-
كاربنتر، أ. (2011). جون تيو فيلس ديساجوليرز: فيلسوف طبيعي، ومهندس، وبنّاء حر في إنجلترا النيوتونية. دار نشر كونتينوم.
-
وايزبرغر، ر. و. (2017). الماسونية الرمزية وعصر التنوير: دراسة للمهنة في لندن وباريس وبراغ وفيينا وفيلادلفيا (الطبعة الثانية). منشورات ماكفارلاند وشركاه.