برنامج “سلم على السماء” للإعلامي عبدو الحلو: قراءة تفصيلية في كواليس دعاوى التقديس وأبعادها القانونية والتاريخية

تتجاوز البرامج الحوارية الروحية الجادة حدود التعبّد التقليدي لتلامس مجالات البحث التاريخي والقانوني والإنساني. وفي هذا الإطار، يُقدّم برنامج “سلم على السماء” من إعداد وتقديم الإعلامي عبدو الحلو، مقاربة منههجية توثيقية حول تاريخ الكنيسة المارونية ومسيرة قديسيها. ومن خلال الحوار المفصل مع الأب بولس قزي، طالب دعاوى القديسين في الرهبانية اللبنانية المارونية، يستعرض البرنامج تفاصيل دقيقة وتاريخية تعكس كواليس العمل الدؤوب في مجمع دعاوى القديسين بالفاتيكان، والمسارات القانونية والأنثروبولوجية التي تمر بها هذه الملفات.

وفيما يلي تفصيل لأبرز المحاور الموضوعية والقانونية والتاريخية التي تم تناولها في البرنامج بناءً على ما قدّمه الأب قزي من شهادات وحقائق كنسية:

1. لغة الأرقام وحجم العمل في مجمع دعاوى القديسين

يكشف البرنامج عن جانب غير معروف لعامة الناس يتعلق بآلية العمل داخل مجمع دعاوى القديسين في روما؛ حيث يوضح الأب قزي أن هناك ما يقارب 560 طالب دعوى (Postulator) يتواجدون بشكل دائم ومستمر في مسبحة العمل اليومي بروما لمتابعة قضاياهم. وتُظهر الإحصاءات المعروضة في الحلقة أن عدد الدعاوى المقدمة للمجمع ارتفع من 450 دعوى قديماً إلى حوالي 1500 دعوى حالياً، لا سيما بعد الطفرة الكبيرة التي أحدثها البابا يوحنا بولس الثاني بإنتاجه لعدد كبير من الطوباويين الجدد. وأمام هذا الزخم الكبير، لا يمنح مجمع دعاوى القديسين سوى ما بين 15 إلى 20 دعوى تقديس في السنة الواحدة عالمياً، مما يوضح حجم الجهد العلمي والمتابعة اليومية المطلوبة لإيصال أي ملف إلى خواتيمه الإيجابية.

2. البعد القانوني والعلني لصفة “طالب الدعوى” (Postulator)

يطرح البرنامج توضيحاً هاماً حول الإطار القانوني لعمل طالب الدعوى بموجب القانون الكنسي لعام 1983 الذي أصدره البابا يوحنا بولس الثاني. فبينما يُلزم القانون جميع الأطراف المشاركة في دراسة الدعوى (من أساقفة، وخبراء لاهوتيين، وأطباء) بأداء قسم السرية المطلقة وعدم الكشف عن مسار المداولات، يُعدّ طالب الدعوى هو الطرف الوحيد المستثنى من هذا القسم الكنسي؛ إذ يقع على عاتقه قانوناً وعلناً إعلان مسار الدعوى للشعب وتهيئتهم نفسياً وروحيّاً لحدث التطويب أو التقديس. كما يوضح الأب قزي أن لقب طالب الدعوى هو لقب قانوني يُمنح مدى الحياة (ad vitam) بموجب الشهادة الأكاديمية والتعيين الكنسي الرسمي، ومهمته الأساسية هي الرد على الاستفسارات ومواجهة التشكيكات التاريخية أو الطبية التي قد تُثار حول السيرة أو الأعاجيب المقترحة.

3. مسار بدء الدعوى وعقبة التوافق السينودسي

يستعرض البرنامج الخطوات التمهيدية لفتح أي ملف، والتي تبدأ بما يُعرف بـ “شهرة القداسة” الشعبية الناتجة عن التفاف المؤمنين حول سيرة شخص تنيّح برائحة القداسة والتماس شفاعته (مثلما حدث تاريخياً مع الطوباوي الإخوة إسطفان نعمة وتدفّق الجماهير على ضريحه في كفيفان كاسرين بعض القيود التقليدية).
غير أن هذه الشهرة الشعبية لا تكفي وحدها؛ إذ يفرض القانون الكنسي تقديم طلب رسمي من رئيس الرهبانية أو أسقف الأبرشية يُعرض على السينودس الأسقفي المحلي (كـالسينودس الماروني برئاسة البطريرك). وفي هذا الإطار، يُبين الأب قزي أهمية الإجماع الأسقفي؛ فإذا غاب التوافق الكنسي المحلي حول ملف ما (كما حدث في بعض الملفات التاريخية مثل ملف “فتحي بلدي” الذي توقف لعدم استيفاء الشروط القانونية والسينودسية)، فإن الملف يتوقف تلقائياً بموجب أحكام القانون الكنسي.

4. إعداد ملف الدعوى وتكامل الطبيعة البشرية

خلال الحوار، يشرَح البرنامج المحتويات الدقيقة لملف الدعوى (الـ Positio)، والذي يتطلب بحثاً وتوثيقاً تاريخياً مكثفاً (كما حدث في ملف البطريرك الدويهي الذي استلزم نقل صناديق كاملة من المؤلفات والمخطوطات إلى روما، واضطرار طالب الدعوى للإجابة على تساؤلات المحققين الفاتيكانيين حول أسباب تقديم الملف بعد مرور 300 عام على وفاته).
ويؤكد البرنامج أن ملف الدعوى يجب أن يتسم بالأمانة المطلقة؛ فهو لا يقتصر على سرد الفضائل اللاهوتية (الإيمان، الرجاء، المحبة) والصفات الإيجابية للمرشح، بل يلتزم قانوناً بذكر الصعوبات والأخطاء والعيوب البشرية بكل شفافية. فالقديسون – كما يوضح الأب قزي وكما يؤكد البابا فرنسيس – كانوا بشراً خطائين واجهوا ضعفهم الإنساني وتغلبوا عليه بالنعمة والتوبة الدائمة، وهذا التوازن البشري هو ما يمنح ملف التقديس صدقيته العلمية والروحية.

5. كواليس وذكريات ميدانية في روما

يضفي البرنامج لمسة إنسانية دافئة من خلال استذكار الإعلامي عبدو الحلو لرحلاته الميدانية ومرافقته للأب بولس قزي في روما. حيث يستحضر الحلو مشهداً يعكس الالتزام الروحي والعملي لطالب الدعوى؛ من الاستيقاظ الباكر في السابعة صباحاً للصلاة الفردية في الكنيسة الصغيرة طلباً لـ “إلهام الروح القدس” لتسهيل دراسة الملفات الصعبة، وصولاً إلى الانتظار على مشارف الفاتيكان، وخروج الأب قزي حاملاً حقيبته ومبشّراً بصدور القرار الإيجابي (الـ Decreto) الذي يمهد الطريق لإعلان رتبة القداسة أو التطويب رسميّاً، كخطوة من خطوات الفرح الروحي للشعب المتألم.

خاتمة

يقدّم برنامج “سلم على السماء” من خلال هذه المعطيات المتكاملة نموذجاً ناضجاً للإعلام الروحي الذي يتجاوز السطحية ليغوص في العمق القانوني والأكاديمي. وبفضل الحوار المنسق بمهنية بين عبدو الحلو والأب بولس قزي، يخرج المشاهد برؤية واضحة وموضوعية تؤكد أن القداسة في مفهومها الكنسي المعاصر هي نتاج تلاقٍ دقيق بين نعم السماء، والجهد البحثي الإنساني الصامت والموثق تاريخياً وقانونياً.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …