مسار قانون استقلالية القضاء في لبنان: بين التجاذب التشريعي، الرقابة الدستورية، والعوائق البنيوية

يمثل السعي نحو تكريس استقلالية السلطة القضائية في لبنان مساراً معقداً تتداخل فيه الحسابات السياسية بالمقتضيات الدستورية والمعايير الدولية. فبعد مسار تشريعي شاق امتد لسنوات، وتحديداً منذ عام 2017 حين طُرح مشروع قانون استقلالية القضاء العدلي وشفافيته، عانى هذا المشروع من جمود شبه كلي بسبب الخلافات السياسية وسحب الصيغ المتعددة وتعديلها في اللجان المشتركة، ما جعله رهينة التجاذبات بين الكتل النيابية والقوى النافذة أكثر مما هو استجابة لحاجة إصلاحية موضوعية. 

ويكشف هذا الجمود بدوره عن إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة السلطة التشريعية نفسها؛ إذ إن غالبية الفاعلين السياسيين الذين يحتكرون عملية صناعة القوانين هم في الأصل نتاج منظومة الحرب الأهلية وما أفرزته من تسويات طائفية وزبائنية أعادت إنتاج النخب ذاتها في مواقع السلطة. في هذا السياق، تصبح مفاهيم من قبيل «استقلالية القضاء» ملتبسة ومحمّلة بتأويلات انتقائية، لأن من يُفترض بهم تكريسها تشريعاً هم في الوقت نفسه الأكثر تضرراً من تفعيلها قضائياً، بحكم ارتباطهم بشبكات مصالح وملفات فساد ومسؤوليات سياسية وأمنية غير محسومة. وهكذا لا تُصاغ القوانين في غالب الأحيان كأدوات عامة لضبط السلطة والخضوع لمبدأ المحاسبة، بقدر ما تُصمَّم كترتيبات تفاوضية دقيقة تُحدَّد فيها حدود تطبيق النصوص على واضعيها أنفسهم، بحيث تُخفّض إلى الحد الأدنى احتمالات تعريضهم للمساءلة، ويتحول التشريع إلى آلية لإدارة المحاسبة واحتوائها أكثر مما هو مدخل لتكريس دولة القانون. 

في هذا الإطار، شهد الملف تحركاً لافتاً في أيار 2025 بتبني مجلس الوزراء برئاسة نواف سلام لمشروع قانون تنظيم القضاء العدلي وإحالته إلى البرلمان، في خطوة قُدّمت على أنها استجابة لمطالب الإصلاح القضائي والضغوط الداخلية والدولية. وتُوِّج هذا المسار بإقرار مجلس النواب في 31 تموز 2025 لقانون تنظيم القضاء العدلي، الذي تضمن بعض الإصلاحات المتعلقة بآلية تشكيل مجلس القضاء الأعلى والتشكيلات القضائية، بالإضافة إلى وضع بعض الضمانات للاستقلال الإداري والمالي. غير أن هذا الإنجاز المؤقت واجه انتكاسة دستورية حاسمة في شباط 2026 بإبطاله برُمّته وإعادته إلى المجلس النيابي، معيداً الملف إلى نقطة الصفر. 

في موازاة ذلك، أشارت تقييمات منظمات دولية مثل هيومن رايتس ووتش إلى أن القانون، رغم ما حمله من إصلاحات إيجابية كتوسيع بعض صلاحيات القضاة في إدارة شؤونهم، ظلّ قاصراً عن تحقيق الاستقلالية الفعلية، وخصوصاً لجهة استمرار إمساك السلطة التنفيذية بمفاصل أساسية في التعيين والتشكيلات القضائية، بما لا ينسجم بالكامل مع مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال القضاء وتوصيات الهيئات الاستشارية الأوروبية المختصة. 

قرار المجلس الدستوري في 2026 ومبررات الإبطال

جاءت نقطة التحول التاريخية في 25–26 شباط 2026 حين أصدر المجلس الدستوري قراراً بإبطال قانون استقلالية السلطة القضائية بالكامل، مستنداً بشكل رئيسي إلى مخالفات شكلية وإجرائية ذات قيمة دستورية جوهرية تمس مبدأ فصل السلطات. واعتبر المجلس في قراره أن البرلمان أقر الصيغة النهائية للقانون بعد إدخال تعديلات عليها دون إعادة عرضها على مجلس القضاء الأعلى لاستطلاع رأيه، وهو ما يمثل مخالفة صريحة للفقرة (ز) من المادة 5 من قانون القضاء العدلي وللمادة 20 من الدستور التي توجب استشارة الجسم القضائي في تنظيم شؤون القضاء. كما انتقد القرار تمثيل وزير العدل لمجلس القضاء الأعلى أمام اللجان النيابية، لما ينطوي عليه ذلك من تداخل غير سليم بين السلطتين التنفيذية والقضائية. 

وبموجب هذا الإبطال، استعادت وزارة العدل الصلاحيات الواسعة التي كان القانون قد حد منها، لا سيما في اقتراح تعيين النائب العام التمييزي ورئيس هيئة التفتيش القضائي، مما أعاد تكريس نفوذ السلطة التنفيذية على المفاصل القضائية الأساسية. وقد شدّد المجلس الدستوري في حيثياته على أن ما اعتبره البعض «عيباً شكلياً» هو في جوهره ضمانة أساسية لاستقلال القضاء، إذ إن تجاهل رأي مجلس القضاء الأعلى في نصّ ينظم السلطة القضائية يشكل مساساً مباشراً بمبدأ استقلالها ذي القيمة الدستورية، ويحوّل التشريع في هذا المجال إلى أداة أحادية بيد السلطتين التشريعية والتنفيذية معاً. 

بهذا المعنى، تحولت الرقابة الدستورية من مجرد تدقيق في الألفاظ القانونية إلى ساحة صراع على تحديد موقع السلطة القضائية ضمن هندسة النظام السياسي، بين نموذج يكرّسها كسلطة ثالثة مستقلة، ونموذج يبقيها ملحقة ببنى القرار السياسي القائم. وفي الوقت نفسه، عمّق القرار شعوراً عاماً بانسداد أفق الإصلاح، إذ بدا أن كل محاولة لتصحيح موقع القضاء تعيد إنتاجها المنظومة السياسية ذاتها، سواء عبر مضمون النصوص أو عبر مسار إقرارها وإبطالها. 

ثغرات القانون المقر وسجال «الاستقلالية المنقوصة»

ورغم الإيجابيات النظرية التي حملها القانون قبل إبطاله، فقد واجه انتقادات واسعة من جمعيات حقوقية وقضائية اعتبرت أنه يكرس استقلالية منقوصة ويحتفظ بأدوات نفوذ واضحة للسلطة السياسية. وتتمثل أولى هذه الثغرات في الإبقاء على دور وزير العدل والحكومة في تعيين نسبة من أعضاء مجلس القضاء الأعلى، بدلاً من إتاحة الانتخاب الكامل من قبل الهيئة العامة للقضاة، وهو ما يبقي على قنوات المحاصصة وتسييس التعيينات مفتوحة. ويبرز تداخل الصلاحيات كذلك في اشتراط توقيع مراجع سياسية في السلطة التنفيذية على مراسيم التشكيلات والمناقلات القضائية، مما يضعف استقلالية القرار القضائي ويجعل المناقلات رهينة التوافقات السياسية. 

كما انتُقد القانون لعدم ذهابه بعيداً في تكريس الاستقلال المالي والإداري، حيث لم يُقَر إطار متكامل لموازنة مستقلة تدار ذاتياً بمعزل عن وزارة العدل، في ظل استمرار تبعية السلطة القضائية مالياً وإدارياً للسلطة التنفيذية. علاوة على ذلك، أثيرت مخاوف من أن تُستَخدم نظم تقييم القضاة وفرض قيود على حرية تعبيرهم كأدوات ضغط غير مباشرة ضد الأصوات المستقلة داخل الجسم القضائي، بما يحوّل «المحاسبة المهنية» إلى وسيلة تأديب سياسي مقنّعة. 

في ضوء هذه الملاحظات، وُصف القانون من قبل عدد من الفاعلين الحقوقيين بأنه يمثل «خطوة أولى» لكنها دون السقف المطلوب، إذ يخفّف من حدّة التدخل السياسي دون أن يقطع معه بنيوياً، ويعيد إنتاج منطق «الاستقلالية الشكلية» مقابل استمرار موازين القوى ذاتها داخل الحقول السياسية والقضائية والأمنية. 

التداخل القضائي والأمني كعائق بنيوي وسلوكيات التحقيق

في موازاة النقاش التشريعي، يبرز التحدي الأكبر المتمثل في التكامل البنيوي بين المنظومة القضائية والأجهزة الأمنية والتنفيذية. إذ يشير النقد إلى أن العلاقة بين القضاء والأجهزة الأمنية تتجاوز التعاون الفني المعتاد في التحقيقات إلى شكل من أشكال التماهي الوظيفي، حيث يمكن للمنظومة السياسية والأمنية التأثير في مسار التحقيقات القضائية من خلال حجم وطبيعة المعلومات المرفوعة للقضاة، أو عبر حجب التسهيلات اللوجستية، مما يجعل القضاء في كثير من الأحيان متلقياً للقرار الأمني–السياسي بدلاً من أن يكون جهة رقابة ومحاسبة مستقلة.  

وتتضح ملامح هذه الإشكالية الهيكلية في التبعية المزدوجة لأجهزة الضابطة العدلية التي تخضع نظرياً لإشراف القضاة، لكنها تتبع إدارياً ووظيفياً لوزارتي الداخلية والدفاع، مما يجعل الولاء الوظيفي للضباط متجهاً نحو رؤسائهم في السلطة التنفيذية الذين يملكون صلاحيات الترقية والمحاسبة المسلكية. ويمتد هذا النفوذ عملياً إلى مرحلة التحقيقات الأولية، حيث تمتلك الأجهزة الأمنية احتكاراً لجمع الأدلة والمعلومات، مما يمنحها القدرة على صياغة المحاضر وتوجيه مسار القضية قبل أن تصل إلى القاضي الذي يجد نفسه غالباً معتمداً على رواية أمنية جرى إعدادها مسبقاً دون امتلاك أدوات تحقق مستقلة. 

وفي ظل هذا الاحتكار والتأثير المتبادل، كثيراً ما تصبح طرق وأساليب التحقيق ملتوية وغير شفافة، تُوظف فيها الضغوط أو التسريبات الانتقائية لخدمة أجندات معينة، مما يمهد لسياسة فتح ملفات قضائية وإقفالها «غبّ الطلب» وتبعاً للتوازنات والتقاطعات السياسية المتغيرة لتصفية الحسابات أو حماية النافذين، بدلاً من الاحتكام لسيادة القانون والعدالة الجنائية المجردة. وهذا المناخ المتأثر بالتسييس يفسح مجالاً أوسع لنمو الفساد وتغلغله داخل الجسم القضائي نفسه؛ إذ يجد القاضي المرتبط بالمرجعيات السياسية أو الأجهزة الأمنية حماية مستترة تحصنه من المساءلة والمحاسبة المسلكية، مما يشجع على استغلال المنصب القضائي لتحقيق مكاسب فئوية دون خشية من الرقابة أو المحاسبة عبر التفتيش القضائي.daraj+3

وفي هذا السياق، يجري استغلال «الهالة والوقار» المصاحبين للسلطة القضائية في غير مكانهما الفعلي؛ لتتحول هيبة القضاء من أداة لصون العدالة وحماية الضعفاء، إلى ذريعة تُستخدم لإسكات الأصوات المعترضة والناشطين الإعلاميين تحت مسمى «النيل من هيبة القضاء»، أو كغطاء قانوني يهدف لإضفاء مشروعية زائفة على إجراءات كيدية ذات منطلقات سياسية تخدم قوى السلطة الحاكمة. ولا تقف العقبات عند هذا الحد، بل تبرز في شكل امتلاك السلطة التنفيذية وأجهزتها الأمنية القدرة على التعطيل الإجرائي من خلال التلكؤ في تنفيذ مذكرات الجلب أو التوقيف والاستنابات القضائية الصادرة بحق شخصيات نافذة، مستندة إلى غطاء سياسي أو مبررات إدارية، مما يعطل الذراع التنفيذية للقضاء كما ظهر في قضايا الفساد المالي الكبرى وملف انفجار مرفأ بيروت. 

ويتوج هذا التداخل بالآلية التي تُدار بها تعيينات المراكز القضائية الحساسة مثل النيابات العامة وقضاء التحقيق، والتي تخضع لتوافقات مسبقة تشترك فيها القيادات السياسية والأمنية، لينتج عن ذلك تماهٍ وظيفي يضعف دور القضاء كحامٍ للحقوق والحريات بوجه تعسف السلطة، ويجعله أكثر تقبلاً للتجاوزات المرتكبة أثناء التحقيقات الأولية مثل الاحتجاز التعسفي أو انتزاع الاعترافات تحت الضغط. 

المنظور البنيوي للأزمة: الحصانات والتراتبية المطلقة

ويمتد التحليل البنيوي للأزمة القضائية اللبنانية، كما يعرضه فاعلون حقوقيون وفي مقدمتهم المحامي نزار صاغية، إلى ما هو أبعد من النصوص التنظيمية المقترحة، ليركز على معوقات قانونية وسياسية أعمق تحول دون قيام دولة القانون والمحاسبة الفعالة. وتبرز في مقدمة هذه المعوقات منظومة الحصانات الدستورية والقانونية الواسعة الممنوحة للمسؤولين السياسيين والأمنيين، والتي تحولت عملياً من وسيلة لحماية الوظيفة العامة إلى جدار حماية يكرس الإفلات الممنهج من العقاب ويمنع القضاة من استكمال تحقيقاتهم في ملفات الفساد والجرائم الكبرى. 

وتتكامل هذه الحصانات مع الهيكلية التراتبية الصارمة داخل النيابات العامة، حيث تتركز الصلاحية الفعلية لتحريك الدعوى العامة أو تجميدها بيد النائب العام التمييزي أو رؤساء نيابات محددين، مما يسهل عملية التدخل السياسي لوقف الملاحقات الحساسة قبل بدئها. ومن هذه الزاوية، يصبح قانون استقلالية القضاء مجرد حلقة ضمن منظومة أوسع تحكمها بنية القوة السياسية–الأمنية، بحيث لا يمكن قياس جدواه إلا بقدر ما يحدّ من قدرة هذه المنظومة على التحكم بمسار الدعاوى العامة ونتائج التحقيقات. 

خاتمة وآفاق مستقبلية

مع انتصاف عام 2026، يجد لبنان نفسه مجدداً أمام انسداد في أفق الإصلاح القضائي، حيث عاد ملف استقلالية القضاء إلى نقطة الصفر بعد إبطال القانون الأخير. وتثبت هذه التجربة أن الإصلاح الفعلي لا يمكن أن يتحقق بتسويات الحد الأدنى أو بتعديلات إجرائية جزئية، بل يتطلب مقاربة شاملة تعيد بناء السلطة القضائية كسلطة دستورية ثالثة موازية ومستقلة إدارياً ومالياً عن السلطة التنفيذية، وتعمل في الوقت نفسه على تفكيك منظومة الحصانات وتصحيح العلاقة البنيوية مع الأجهزة الأمنية، والحد من أساليب التحقيق الانتقائية والملتوية، وتغليب معايير المحاسبة الحقيقية بعيداً عن الاستغلال غير السليم لهيبة القضاء، بما يضمن تفعيل دولة القانون وتكريس مبدأ فصل السلطات في الدولة. 

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

تتويجاً لمسيرة الشفافية: «غربال» تطلق أضخم أرشيف رقمي للجريدة الرسمية اللبنانية كحجر زاوية في صرح المساءلة الوطنية

في لحظة فارقة تزامنت مع الاحتفاء باليوم العالمي للحق في الوصول إلى المعلومات، دشّنت مبادرة …