تخوض الأجهزة الأمنية في إمارة دبي حربًا ضارية وغير تقليدية ضد واحدة من أشد الجرائم تنظيمًا وتعقيدًا في العالم المعاصر: جريمة تجارة وترويج المخدرات. لم تعد هذه التجارة المحظورة تدار في الغرف المغلقة أو الأزقة المعتمة كما تصوّرها السينما؛ بل تحوّلت إلى شبكات معولمة تستغل الفضاء الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والخدمات اللوجستية الحديثة.
وفي هذا الملف الموسع الشامل، ونقلاً عن الحوار الأمني المباشر عبر بودكاست “قاف نون” مع العميد خالد بن مويزه، مدير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات بشرطة دبي، نغوص في تفاصيل العمليات الاستخباراتية، وكواليس الضبطيات الكبرى، والتحولات التشريعية والإنسانية التي تجعل من تجربة دبي نموذجًا عالميًا يُحتذى به في تجفيف منابع “سموم الموت”.
أولاً: الفضاء الرقمي.. الخريطة الجديدة لـ “تجار الموت”
أكد العميد خالد بن مويزه أن أسلوب الترويج والاتجار شهد تحولاً “جنونيًا” خلال السنوات العشر الأخيرة. ففي الماضي، كان المتعاطي أو المروج الصغير يستطيع لقاء التاجر وجهًا لوجه والتفاوض معه؛ أما اليوم، فقد اختفى التجار خلف شاشات مشفرة، واستحدثوا أساليب تتجنب الاتصال المباشر تمامًا.
كواليس الترويج الإلكتروني والتمويلي:
-
الاستلام عبر الممتلكات المخبأة (GPS): يتم تحويل الأموال إلكترونيًا وبشكل مسبق بناءً على الثقة المتبادلة بين أطراف الشبكة، ثم يرسل المروج “موقعًا جغرافيًا” (Location) للمتعاطي ليقوم باستلام المادة المخدرة من مكان مخفي (تحت حجارة، في منطقة نائية، أو مجوفة في جدار).
-
إغلاق 1291 موقعًا وحسابًا: أنشأت شرطة دبي أقسامًا متخصصة في الجرائم الإلكترونية المتعلقة بالمخدرات (وكانت أول قسم على مستوى الدولة في هذا المجال)، ونجحت في ملاحقة وإغلاق 1291 موقعًا وحسابًا إلكترونيًا كانت تُستخدم لترويج السموم، مع تتبع أصحاب تلك الحسابات واستدراجهم.
-
التمايز العملياتي بين أطراف الجريمة: يفرّق القانون والعمل الميداني بين “التاجر” الذي يدير العمليات الكبرى ويختفي خلف الكواليس ممتلكًا وسائل إخفاء معقدة، و**”المروج”** الذي يمثل الخط الأخير للتوزيع بأسعار وكميات أقل، و**”المتعاطي”** الذي يُعد الضحية والهدف.
-
تحول المتعاطي إلى مروج: كشف بن مويزه عن حالات عديدة تحول فيها المتعاطي إلى مروج بسبب ارتقاء جرعاته وارتفاع التكلفة المالية؛ ومنها قضية لفتاة كانت تتعاطى كميات كبيرة، وعندما طلبت خصمًا مالياً من المزود، عرض عليها أن تأخذ حصتها مجانًا مقابل أن تتولى وضع كميات من المخدرات في مواقع جغرافية محددة وإرسالها للزبائن، لتدخل بذلك عالم الترويج المحظور.
ثانياً: الذكاء الاصطناعي وكواليس “ضبطية الـ 100 مليون قرص كبتجون”
لا تقتصر معركة شرطة دبي على حماية حدود الإمارات، بل تمتد لحماية المنطقة والعالم بأسره عبر التنسيق الاستخباراتي الرفيع والتقنيات الحديثة.
تفاصيل عملية “الكبتجون” الكبرى:
في عام 2023، وردت معلومات استخباراتية أولية غير مكتملة من مصدر أمني تشير إلى أن باخرة شحن ضخمة تحمل أكثر من 200 حاوية تتضمن بضع حاويات محملة بـ “مواد مخدرة”، دون معرفة أرقام الحاويات أو أساليب التمويه المستخدمة.
وهنا برز دور الضباط الشباب من أصحاب المؤهلات العالية في الذكاء الاصطناعي بشرطة دبي (والحاصلين على المراكز الأولى في دفعاتهم)؛ إذ تم إدخال بيانات السفينة، وأوزان الحاويات، ودراسة بلد المنشأ، وخطوط السير، وعمليات التمويه التجاري. وبفضل تحليل البيانات الضخمة، تم تحديد الحاويات المشبوهة بدقة 100%.
أسفرت العملية عن ضبط نحو 100 مليون قرص من مخدر الكبتجون كانت متجهة إلى المملكة العربية السعودية الشقيقة؛ حيث تم ضبط 86 مليون قرص داخل الإمارات، بينما ضُبطت بقية الشحنة في المملكة بالتنسيق اللحظي والسريع مع السلطات السعودية، مما حال دون وصول هذه الشحنة التي كانت كفيلة بتدمير عقول الشباب في المجتمع الشقيق.
ثالثاً: اختراقات استخباراتية وقصص من “الترانزيت” وعبر القارات
تصل ملاحقات شرطة دبي إلى تجار صنفوا بأنهم من العمالقة على مستوى العالم، ويتم تتبعهم في إسبانيا، وأستراليا، وأفريقيا، وغيرها.
1. تاجر الأطنان.. أربع سنوات من الملاحقة الشاملة:
يروي العميد بن مويزه قصة مواطن إماراتي متقاعد، تحول إلى أحد أكبر تجار المخدرات الدوليين، وامتدت شبكته من الخليج إلى مصر والسودان واليمن وأفريقيا، متناولاً أطنانًا من السموم.
على مدى أربع سنوات متواصلة، لم يمارس هذا التاجر أي نشاط مجرم داخل الإمارات، لكن شرطة دبي تتبعته خطوة بخطوة، وأرسلت ضباطها إلى السودان ومصر لجمع الأدلة، وبنت ملفًا محكمًا ضدّه تجاوزت صفحاته 50 صفحة من محاضر التحريات والوثائق الشاملة، حتى تم القبض عليه وإدانته أمام المحاكم الاتحادية بالحبس المؤبد والإعدام. والمدهش أن شرطة دبي نجحت في زرع مصادر أمنية عاشت داخل بيته لسنوات دون أن يشعر بوجودها!
2. عملية “ترانزيت الـ 45 يومًا”:
في قضية أخرى، قام تاجر مخدرات بدخول مطار دبي بصفة مسافر ترانزيت، وظل مقيمًا في منطقة الترانزيت لمدة 45 يومًا كاملة لتمويه أجهزة الأمن، واهتداءً بظنه أن شرطة دبي لا تراقبه داخل المطار. وخلال هذه الفترة، كان يلتقي بتجار ومروجين قادمين من دول أخرى في منطقة الترانزيت لعقد صفقات وشراء كميات مخزنة داخل دبي. ظلت شرطة دبي ترصد كل حركة يقوم بها، ماذا يأكل، مع من يجلس، وماذا يشتري، حتى اللحظة التي أعطى فيها الأوامر لإخراج الشحنة من مخبئها وتسليمها، فتم الإيقاع به وبجميع شركائه.
3. عملية “أوشن كوست” (Ocean Coast – 2016):
شاركت شرطة دبي في عمليات ميدانية وأرضية بالتعاون مع البحرية الأسترالية للسيطرة على سفينة شحن قبالة السواحل التنزانية في أفريقيا، كان يتديرها التاجر المشار إليه أعلاه، وأسفرت المداهمة عن ضبط طن كامل (1000 كيلوغرام) من مخدر الهيروين.
رابعاً: أساليب التهريب عبر المطارات.. “الكبسولات البشرية” والقنابل الموقوتة
تظل المطارات المنافذ الأولى التي يحاول المهربون استغلالها عبر أساليب خطيرة، أبرزها تهريب المخدرات داخل الأحشاء.
-
سمات المهربين بالأحشاء: يمتلك ضباط شرطة دبي والجمارك خبرات تراكمية للحظ الشبهات؛ فالمهرب بالحشوة عادة لا يأكل ولا يشرب على متن الطائرة، ولا يحمل أمتعة تقريبًا سوى حقيبة يد صغيرة، وتكون حائزة حجوزات سفر قصيرة جدًا (يوم أو يومين فقط).
-
حقائق غريبة: يوضح بن مويزه أن المهربين النحفاء استطاعوا بلع كميات أكبر من الكبسولات تصل أحيانًا إلى أكثر من 200 كبسولة (أي ما يقارب الكيلوغرام الكامل)، وتعد هذه العملية بمثابة “قنبلة موقوتة”؛ فلو انفجرت كبسولة واحدة داخل أحشاء المهرب لقتلت فورًا بسبب التسمم الحاد.
-
خطورة الهيروين: يشير بن مويزه إلى أن مخدر الهيروين هو المخدر الفتاك الوحيد الذي يُعثر فيه على الضحية ميتًا في نفس وضعية التعاطي (مثلاً في الحمام أو ساجدًا على وجهه) دون أن تتاح له حتى فرصة الاستغاثة أو مقاومة الموت.
خامساً: قصص ميدانية مؤلمة.. بين حرقة القلب وضياع المستقبل
استحضر مدير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات قريحتين لم تنمحيا من ذاكرته رغم مرور السنوات:
القصة الأولى: فتى جبال مسافي (16 عامًا)
أثناء تنفيذ كمين ليلي في منطقة جبلية نائية بالقرب من سوق الجمعة في مسافي عند الساعة 12 ليلاً، كانت فرق المكافحة تترصد شحنة مخدرات تبلغ 25 كيوغرامًا. تفاجأ الضباط بقدوم سيارة منزلية يسوقها سائق العائلة، ونزل منها فتى صغير لم يتجاوز 16 عامًا، انسلّ بين الجبال واستلم الشحنة.
يقول العميد بن مويزه بصوت يملؤه الحزن: “كنت أتمنى من الله وأنا في الكمين ألا يستلم هذا الولد الشحنة، كان طفلاً ضحك عليه مروج مجرم واستغله كفتوة في الفريج ليقوم بهذه المهمة. استلم الولد الكمية وعند ضبطه انهار بالبكاء الشديد.. للأسف ضاع مستقبله تمامًا وتحول إلى قضية اتجار ولم نتمكن من إنقاذه من العقاب القانوني!”.
القصة الثانية: المأساة عند باب الشقة
أثناء مداهمة شقة لمروج مخدرات في إحدى الإمارات بالتنسيق مع الشرطة المحلية عند صلاة الفجر، فتح والد المتهم الباب بالصدفة وهو يرتدي ملابسه لخروج لصلاة الفجر. فزع الابن المروج وحاول الهرب من الشباك الخارجي بالطابق الرابع، وتعلق بالزجاج من الخارج. ركض الضابط نحو الشباك يصرخ به: “ارجع.. لن نفتح فيك بلاغًا.. ارجع فقط!”، لكن الخوف أفقده السيطرة، فترك يديه وسقط صريعًا في نفس اللحظة أمام والده.
سادساً: المدارس، القاصرون، والبروتوكول الإنساني للسياح
شددت شرطة دبي على خلو المدارس من أي عصابات ترويج تنظيمية داخلية، مع وجود حالات فردية لطلاب يتعاطون خارج البيئة المدرسية.
-
ترويج زيوت الحشيش للقصر: ضبطت شرطة دبي مؤخرًا شبكة من القاصرين (بين 16 و18 عامًا) يقومون بطلب “زيت الحشيش” من الخارج عبر البريد السريع، ويقومون بتعبئته داخل السجائر الإلكترونية (Vapes) وترويجه بين أقرانهم، وتم التعامل معهم بحزم وتحويلهم للنيابة العامة.
-
التعامل مع السياح والجهل بالقوانين: مراعاةً لمكانة دبي السياحية، صدر القانون رقم (24 لسنة 2024) الذي يمنح الجمارك والنيابة مرونة في التعامل مع السياح القادمين بمواد ممنوعة يجهلونها؛ حيث يتم مصادرة المادة وفرض غرامة مالية مرورية دون تسجيل قضية جزائية، بشرط ألا تكون الكمية بقصد التسهيل أو الترويج.
-
إعادة 18 قاصرًا لبلادهم: يذكر بن مويزه واقعة ضبط 18 شابًا أجنبيًا سائحًا (أعمارهم بين 16 و17 عامًا) استأجروا مقرًا لتعاطي أنواع مختلفة من المخدرات. وبدلاً من إحالتهم للمحاكمة وتدمير مستقبلهم، قامت شرطة دبي بقطع تذاكر سفر لهم على نفقة الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، وإعادتهم لبلادهم وتسليمهم لذويهم مع أخذ التعهدات اللازمة.
سابعاً: المنظومة التشريعية والإجراءات المتقدمة
شهد التشريع الإماراتي لمكافحة المخدرات تحديثات نوعية توازن بين الردع الحاسم للمجرمين، ومد يد العون للمتضررين:
Code
┌────────────────────────┐
│ قانون المخدرات الجديد │
└───────────┬────────────┘
│
┌────────────────────────────┼────────────────────────────┐
▼ ▼ ▼
┌─────────────────┐ ┌─────────────────┐ ┌─────────────────┐
│ الردع │ │ الإجراءات │ │ الوقاية │
├─────────────────┤ ├─────────────────┤ ├─────────────────┤
│• ملاحقة الحسابات│ │• الإذن الذكي │ │• المادة 89 │
│ المشتبهة (م 64)│ │ (خلال 5 دقائق) │ │ (إعطاء فرصة │
│• تجريم الصرف │ │• تأسيس الجهاز │ │ علاج للمتعاطي) │
│ التبذيري للدواء│ │ الوطني للمكافحة│ │• مركز إرادة │
│• عقوبات التدليس │ │• تحريز صارم │ │ للتأهيل │
│ والإكراه │ │ وموحد للأدلة │ │ والعلاج │
└─────────────────┘ └─────────────────┘ └─────────────────┘
1. الإذن الذكي:
تُصدر شرطة دبي أوامر الضبط والمداهمة عبر تطبيق إلكتروني ذكي مرتبط بالنيابة العامة خلال أقل من 5 دقائق، بدلاً من الطرق التقليدية التي كانت تستغرق ساعات، مع صلاحية تمتد لـ 48 ساعة قابلة للتمديد في قضايا الاتجار.
2. المادة (89) وفرص التعافي:
يعفي القانون كل متعاطٍ يتقدم لطلب العلاج من تلقاء نفسه، أو عبر أقاربه حتى الدرجة الثانية، أو زوجته، من أية عقوبة جزائية. وتتكفل شرطة دبي بالتعاون مع “مركز إرادة للتأهيل والعلاج” بتقديم الرعاية الطبية والنفسية كاملة خلال مدة تراوح بين 4 إلى 6 أسابيع، يعقبها متابعة عيادية وفحوصات دورية فجائية.
-
عقوبة التخلف عن الفحص الدوري: التخلف عن الحضور للفحص الدوري المحدد يعرض المتعاطي المستفيد من المادة 89 لعقوبة السجن لمدة تصل إلى سنتين، وهي عقوبة أشد من عقوبة التعاطي الابتدائي، للحد من الانتكاس.
3. حماية ضباط المكافحة:
وفر القانون حماية قصوى لضباط وأفراد مكافحة المخدرات باعتبارهم يواجهون خطراً كبيراً؛ حيث تصل عقوبة التعدي أو المقاومة لضابط المكافحة إلى السجن لمدة 5 سنوات حتمية.
4. تأسيس “الجهاز الوطني لمكافحة المخدرات”:
تم تشكيل جهاز وطني متخصص برئاسة معالي الشيخ زايد بن حمد آل نهيان، ليكون الجهة العليا التي تقود رسم السياسات وتعديل القوانين وإعادة معايير الابعاد الوجوبي للمتعاطين المترددين، لمواجهة هذا الخطر العالمي المتزايد.
5. ملاحقة العيادات والأطباء المستغلين:
يتضمن القانون الجديد نصوصًا حاسمة ضد الأطباء والصيادلة الذين يسرفون في صرف الأدوية المخدرة والمؤثرات العقلية دون حاجة طبية جازمة؛ إذ يُعامل هذا الفعل باعتباره نوعًا من الترويج المجرم ويُعاقب مرتكتبه بالسجن والترحيل، نظرًا للربحية الخيالية التي تجنيها بعض العيادات النفسية الخاصة على حساب عقول المرضى.
6. المادة (64) وإيداع الأموال المشبوهة:
تُجرّم هذه المادة كل من يقوم بإيداع أو تحويل مبالغ مالية إلى حسابات إلكترونية أو بنكية مشبوهة ترتبط بتجار المخدرات، ويُعتبر فعل الإيداع بحد ذاته قرينة جرمية تعرّض صاحبها للعقاب والترحيل، حتى وإن لم يُضبط المخدر بحوزته.
7. مجرم الجليس (التواجد في أماكن التعاطي):
يُحاسب القانون الشارع الإماراتي أي شخص يتواجد في مكان معد ومخصص لتعاطي المخدرات، حتى لو أثبتت الفحوصات أنه لم يتعاطَ المادة المخدرة بنفسه، للحد من بيئات التجمعات الموبوءة.
ثامناً: رسالة أمنية وإنسانية إلى الأسرة والمجتمع
اختتم العميد خالد بن مويزه حديثه بتوجيه نداء عاجل وشديد اللهجة لجميع الأسر وعوائل الشباب:
“إن مشكلة المخدرات مأساة حقيقية تهدد كيان الأسر، والحل يكمن في عدم مكابرة العائلة أو محاولة حل المشكلة بشكل داخلي مجرد عند اكتشاف تعاطي أحد الأبناء. إن الأبواب مفتوحة، والقانون يكفل الحماية الكاملة وعدم المساءلة الجزائية لكل من يبادر بالطلب والعلاج. لا تترددوا بالاتصال فورًا على الرقم مجاني لشرطة دبي (901) لنكون لكم سندًا وحصنًا أمانًا قبل فوات الأوان.”