هل يفتح الحضور المصرفي التركي في سوريا الباب أمام استعادة الدورة المالية الإقليمية؟

يشكل دخول المصارف التركية إلى السوق المالية السورية خطوة إيجابية وعملية، خصوصاً في تمويل التجارة وإعادة ربط المدفوعات بين البلدين، لكنه في المقابل يواجه مجموعة من التحديات التي قد تحدّ من سرعة نجاحه. ومن أبرز هذه التحديات تردي البنية التحتية المالية والتقنية، والحاجة إلى التوسع في ربط سوريا بالنظام المالي العالمي، إلى جانب تلافي المشكلات التي قد يفرضها عدم استقرار العملة وحبس السيولة، وهي عوامل تجعل أي انفتاح مصرفي بحاجة إلى بيئة تنظيمية ومؤسسية أكثر صلابة. 

كما أن هذه الخطوة قد تفتح الباب أمام استعادة جزء من الدورة المالية الإقليمية لسوريا، عبر إعادة إدماجها تدريجياً في شبكات التحويل والتسوية الإقليمية التي تعطلت سنوات طويلة بفعل العزلة المصرفية وتراجع الثقة بالقطاع المالي المحلي. غير أن هذا المسار لا يمر فقط عبر المصارف، بل أيضًا عبر شركات الحوالة العالمية التي تُعدّ اليوم بوابة أساسية لتحريك الأموال بين لبنان وسوريا وفي الاتجاهين. وفي هذا السياق، قد تصبح هذه الشركات عامل تسهيل إذا توفرت لها بيئة امتثال واضحة ومسارات قانونية مستقرة، لكنها قد تتحول إلى عامل عرقلة إذا بقيت التحويلات محصورة بقنوات غير مباشرة أو إذا اصطدمت بمخاوف العقوبات والمخاطر التنظيمية. كما أن اعتماد التحويلات النقدية عبر هذه الشركات قد يضمن وصول الأموال سريعًا إلى الأفراد والتجار، لكنه لا يعوّض كليًا عن غياب اندماج مصرفي رسمي يتيح تدوير السيولة وتمويل التجارة بصورة أوسع وأكثر استدامة. 

ويكتسب لبنان هنا أهمية خاصة، ليس فقط بوصفه دولة مجاورة، بل كحلقة مالية وتجارية كانت تاريخياً جزءاً من مسار التحويلات بين السوريين في الداخل والخارج. فالحركة المقصودة لا تقتصر على إرسال الأموال من لبنان إلى سوريا أو العكس، بل تشمل أيضاً تسوية فواتير التجارة، وتدوير السيولة بين المكاتب والشركات، وتمرير المدفوعات المرتبطة بالاستيراد والخدمات، وهو ما جعل لبنان في مراحل سابقة منفذاً عملياً للحوالات حين تعطلت القنوات المصرفية المباشرة. غير أن أي توسع في هذا المسار يبقى مرهوناً بقدرة القطاع المصرفي اللبناني نفسه على التعافي واستعادة الثقة، لأن ضعفه الحالي قد يحوّل الفرصة إلى حركة محدودة وغير مستقرة أكثر مما يحولها إلى قناة مالية مستدامة. 

والحاجة إلى التوسع في ربط سوريا بالنظام المالي العالمي لا تتحقق بالاعتماد على افتتاح مصارف تركية أو أجنبية داخل البلاد فحسب، بل عبر منظومة أوسع من القنوات المالية الدولية، وفي مقدمتها المصارف المراسلة وشبكات التسوية العالمية مثل سويفت. فالمصارف متعددة الجنسيات قد تلعب دورًا لاحقًا في تعميق هذا الانفتاح، لكنها ليست المدخل الوحيد أو الأول، إذ إن الأساس يتمثل في استعادة الثقة بالقطاع المصرفي السوري، وتحديث الأطر القانونية والرقابية، وتوفير بيئة امتثال تسمح بإجراء التحويلات الرسمية واستقطاب شركاء ماليين خارجيين. ومن هنا، فإن دخول البنوك التركية قد يشكل خطوة تمهيدية مهمة، لكنه يظل جزءًا من مسار أوسع هدفه إعادة دمج سوريا تدريجيًا في المنظومة المالية الدولية. 

ويشكل نجاح دخول أول مصرف تركي سابقة قانونية وعملية، ويمكن النظر إليه كوسيلة تشجيع لمصارف عربية أو إقليمية أخرى على دراسة السوق السورية ومن ثم الانخراط فيها. فكل خطوة من هذا النوع قد تساهم في إعادة بناء الثقة بالنظام المصرفي السوري، وفتح المجال أمام أنماط جديدة من التمويل والاستثمار المرتبط بإعادة الإعمار والتبادل التجاري، لا سيما إذا رافقها تحديث تدريجي في الأطر الرقابية والبيئة التشريعية. 

وكان وزير التجارة التركي، عمر بولات، أعلن مؤخراً عن وجود توافق مشترك لافتتاح بنوك تركية في سوريا، مشيراً إلى أن الجهود القانونية والتشريعية جارية حالياً لتهيئة البيئة التنظيمية لهذه الخطوة. وجاءت هذه التصريحات الرسمية خلال مشاركة وزير التجارة التركي، عمر بولات، ونظيره السوري وزير الاقتصاد والصناعة، محمد نضال الشعار، في جلسة عمل موسعة عُقدت بمدينة غازي عنتاب التركية تحت عنوان “آفاق جديدة في التجارة بين تركيا وسوريا”، حيث ركزت الجلسة على صياغة خارطة طريق اقتصادية جديدة تخدم مصلحة البلدين. 

إلى ذلك، نقلت رويترز عن مسؤولين في كل من بنك زراعات الحكومي وبنك أكتيف الخاص أن كليهما يعمل على تأسيس وجود له في سوريا، حيث قدمت طلبات، ومن المتوقع أن تبدأ العمليات في المدى القريب. 

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …