ليست النقمة التي يظهرها بعض المسيحيين اللبنانيين تجاه السنّة أو المملكة العربية السعودية ظاهرة عابرة أو انفعالية طارئة، بل هي نتاج مسار طويل من التحولات السياسية والإقليمية والرمزية داخل لبنان والمنطقة. وهذه النقمة لا تعني أن المسيحيين يشكلون كتلة سياسية أو فكرية واحدة، بل تعبّر عن شريحة من البيئة المسيحية رأت أن الحليف السني التقليدي تراجع، وأن الراعي السعودي خفّض انخراطه، فازداد شعور هذه الفئة بأن الساحة اللبنانية تُترك تدريجيًا أمام تمدد “حزب الله” والنفوذ الإيراني.
وتزداد أهمية هذا التحليل حين يُقرأ في ضوء الانقسام المسيحي الداخلي نفسه؛ إذ تشير المعطيات السياسية إلى أن المسيحيين في لبنان منقسمون جوهريًا حيال كيفية التعاطي مع سلاح “حزب الله”. فبينما تعامل معه فريق بوصفه حليفًا سياسيًا أو “ضرورة ظرفية”، نظرت إليه أطراف أخرى بوصفه أصل الاختلال في الدولة وعنوان الشلل المؤسساتي. لذلك، فإن توجيه الغضب نحو السنّة والسعودية لا يعكس موقفًا مسيحيًا عامًا، بل يمثل سردية سياسية نشأت لدى أطراف شعرت بأن الشراكات التاريخية التي قامت عليها صيغة ما بعد الحرب فقدت فعاليتها وضماناتها.
أولًا: خيبة الحليف السني.. صدمة الغياب أشد من عداء الخصم
في الخطاب الذي تتبناه بعض الأوساط المسيحية، لا يظهر السنّة كخصم بنيوي بقدر ما يظهرون كطرف كان يُفترض أن يضمن التوازن الوطني. ومن هنا، يصبح تراجعهم السياسي سببًا مباشرًا لغضب عارم؛ لأن خذلان الحليف في المخيال السياسي غالبًا ما يكون أشد أثرًا من سلوك الخصم المعروف مسبقًا. فحزب الله، بالنسبة إلى هذه القراءة، كان مشروعًا إقليميًا وأيديولوجيًا واضحًا ومتماسكًا منذ سنوات، أما الصدمة فجاءت من انهيار القدرة السنية المقابلة على ضبط التوازن أو الدفاع عن مؤسسات الدولة.
هذا التفسير تعزّز مع التراجع التدريجي في الحضور السياسي السني في مرحلة ما بعد اغتيال رفيق الحريري، وصولًا إلى المحطة المفصلية المتمثلة بانسحاب سعد الحريري وتعليق عمله السياسي عام 2022. هذا الفراغ لم يُضعف البيئة السنية فحسب، بل تحوّل في النظر المسيحي الناقد إلى “خلل وطني فادح” أتاح لحزب الله أن يصبح القوة الأكثر تنظيمًا وتأثيرًا في بنية النظام، متحررًا من أي ندّ سياسي قادر على إحداث توازن ردع داخلي.
ثانيًا: تراجع السعودية.. من الرعاية المفتوحة إلى الحذر الاستراتيجي
العامل السعودي حاضر في صلب هذه السردية. فقد ارتبطت الرياض، خصوصًا منذ اتفاق الطائف وصعود “الحريرية السياسية”، بدور الراعي السياسي والمالي والضامن للبيئة السنية وللتوازن الإسلامي-المسيحي. لكن هذا الدور شهد تحولًا هيكليًا؛ حيث أضحت الرياض أكثر تحفظًا وزهدًا في تقديم الغطاء المفتوح للطبقة السياسية اللبنانية. وقد مثّلت أزمة استقالة سعد الحريري من الرياض عام 2017 محطة مفصلية كشفت حجم التبدل في الرؤية السعودية التي لم تعد ترى الملف اللبناني بأدوات الماضي. خصوصا مع اخذ الموضوع طابع اعادة اخذ حقوق المسيحيين من “السنة” او من “الحريري” على وجه التحديد.
في الوعي المسيحي الناقد، لم يُفهم هذا التحول كإعادة تموضع دبلوماسي، بل كنوع من “الانسحاب من معركة التوازن”. وتعتبر هذه القراءة أن السعودية، بتخفيف انخراطها، خوفا على السنة في كل العالم العربي، وابعاد شبح المشهد بايدي ايرانية عن الدول ذو غالبية سنية، لم تضعف حزب الله بقدر ما أضعفت خصومه المحليين وفي مقدمتهم السنّة. ومن هنا، تحوّل اللوم نحو الرياض لا لأنها خصم، بل لأنها في نظرهم تركت الساحة اللبنانية مكشوفة من دون شبكة حماية إقليمية تعادل النفوذ الإيراني.
ثالثًا: الطائف بوصفه جرحًا دستوريًا مؤجلًا
لا يمكن فصل هذا الغضب عن الذاكرة السياسية المسيحية تجاه اتفاق الطائف (1989). فبينما أعاد الاتفاق تنظيم السلطات وإنهاء الحرب، ترسخت لدى قطاع واسع من المسيحيين سردية تعتبر أن الاتفاق قلّص من الصلاحيات التنفيذية لرئاسة الجمهورية المارونية ونقل مركز الثقل إلى رئاسة الحكومة السنية.
لكن خطورة هذه السردية تكمن في ربطها بين “الخسارة الدستورية التاريخية” و“الفشل السياسي اللاحق”. فبعض القوى المسيحية ترى أن السنّة استفادوا من إعادة توزيع السلطة بعد الحرب، لكنهم عجزوا لاحقًا عن حماية الدولة من السلاح غير الشرعي أو منع انهيار المؤسسات. وبذلك، نشأت قراءة تحسرية ترى أن الجميع خسر في النهاية: المسيحيون خسروا الصلاحيات، والسنّة خسروا القدرة على قيادة التوازن، والدولة برمتها خضعت لمنطق القوة المسلحة. ومع اتفاقية الاطار، يمكن القول تم عزل الجزء المتعلق بحزب الله من “الطائف”
رابعًا: هواجس الهوية والخشية من “العروبة السياسية”
تتغذى هذه الظاهرة من بعد هوياتي أعمق يتصل بفكرة “الخصوصية اللبنانية”. فجزء من الخطاب المسيحي المحافظ ظل يتعامل بحذر مع مفهوم “العروبة السياسية”، متخوفًا من أن تكون غطاءً لإذابة الذات المسيحية أو فرض أغلبية ديموغرافية وسياسية ذات طابع إسلامي.
في هذا السياق، لم يكن التوتر مع السنّة والسعودية صراعًا على الصلاحيات فقط، بل عكس خوفًا تاريخيًا مركبًا من الشراكة مع عمق عربي إسلامي يُخشى أن يتحول إلى أداة للهيمنة. هذا الخوف الهوياتي هو ما دفع أطرافًا مسيحية، في لحظات سياسية معقدة، إلى البحث عن خيارات خشنة أو تحالفات غير تقليدية للتحصين والتحايل على هذا التهديد المفترض، عبر استعانة بعميل عابر، لدرجة محاولة توريط مرجعيات دينية رفيعة به.
خامسًا: من البراغماتية الأمنية إلى الحماية المتوهمة
تُظهر بعض القراءات السياسية أن جزءًا من القوى اللبنانية، ومنها مسيحية، لم يكتفِ بالتحالف السياسي المعلن، بل اتجه أحيانًا إلى منطق براغماتي شديد الخشونة بحثًا عن حماية من الانكشاف الداخلي. غير أن هذا النوع من السلوك لا يصح عرضه كحقيقة اتهامية من دون وثائق، والأدق منه هو القول إن بعض الأطراف لجأت إلى مناورات رمادية وإلى تحالفات ظرفية مع قوى أقوى منها، أملاً في بناء توازن يمنع هيمنة خصم آخر.
في هذا الإطار، يمكن فهم الفكرة العامة من دون الجزم بوجود “شبكات سرية” أو “عملاء محكومين”: أي أن البيئة السياسية اللبنانية كثيرًا ما دفعت بعض الفاعلين إلى خيارات دفاعية قاسية، ليس حبًا بالسلاح أو بالمحاور، بل خوفًا من فقدان القدرة على حماية الذات. غير أن هذه المقاربة كثيرًا ما تتحول من آلية ردع إلى فخ سياسي، لأن الحليف الأقوى لا يبقى دائمًا أداة بيد من يتحالف معه، بل قد يعيد تشكيل المعادلة لصالحه.
سادسًا: “قلعة ماسادا” كاستعارة سياسية
هنا يصبح موضوع “ماسادا” مهمًا بوصفه استعارة تحليلية، لا باعتباره توصيفًا حرفيًا. في الأدبيات السياسية، تشير “عقدة ماسادا” إلى عقلية الحصار الذي يفضّل التدمير الذاتي على التسوية، أو إلى منطق “إما نحن أو لا أحد”. وعندما تُستخدم هذه الاستعارة في قراءة المشهد اللبناني، فهي تصف التحول من سياسة التوازن إلى سياسة الحصار والانغلاق والانتحار السياسي.
وفق هذا المنظور، يمكن القول إن بعض القوى اللبنانية تعاملت مع “ورقة التفاهم” مع حزب الله بوصفها وسيلة لدمجه في الدولة وتطويعه، لكن الحزب نفسه فهم هذه الورقة على نحو مختلف: غطاء ميثاقي يمنحه شرعية أوسع ويؤمّن له هامشًا أكبر لبناء سلطته. ومع مرور الوقت، وتحت ضغط التحولات الإقليمية، بدا أن الحزب اتجه إلى منطق أشد تصلبًا، أقرب إلى عقلية القلعة المحاصرة التي تفضّل المواجهة المفتوحة على الخضوع لمنطق الدولة.
هذه القراءة لا تعني أن حزب الله “يبني ماسادا” حرفيًا، بل تعني أن سلوكه السياسي والعسكري أخذ أحيانًا ملامح مشروع لا يقبل التسوية الكاملة بسهولة، ويستعد لتحمل كلفة عالية بدل التخلي عن عناصر القوة الأساسية. وفي اللحظة التي يصبح فيها هذا المنطق مهيمنًا، يتحول لبنان كله إلى ساحة رهينة، لأن قرار الحرب والسلم لا يعود محكومًا فقط بالمؤسسات الرسمية.
سابعًا: كيف تجنّب جوزف عون ونواف سلام الانزلاق السياسي؟
في المقابل، يمكن فهم إدارة جوزف عون ونواف سلام للأزمة بوصفها محاولة قانونية-مؤسساتية لتفكيك الاحتقان ومنع تحوله إلى صراع سياسي شامل. فجوهر المقاربة هنا لم يكن في فتح مواجهة شاملة مع أي مكوّن، بل في إعادة الأزمة إلى الإطار الدستوري والقانوني بدل تركها تنزلق إلى الشارع أو إلى الاصطفاف الطائفي.
هذا الأسلوب يقوم عادة على ثلاث قواعد:
-
حصر النقاش في الشرعية الدستورية، لا في التعبئة الطائفية.
-
إبقاء لغة الدولة والمؤسسات أعلى من لغة الاستفزاز السياسي.
-
منع تحويل الخلاف حول السلاح أو التوازنات إلى معركة هوية بين المسيحيين والسنّة.