من أسواق أفريقيا إلى البيت الأبيض: كيف تُصنع الدبلوماسية الاقتصادية اللبنانية في ظل اليد الأمريكية وسلطة بكركي؟

لا أحد يمكنه أن يتخطى شبكة اعمال نادر الحريري. ولا رجال اعمال تيار المستقبل اينما كان. ولا تاثير العلاقات الدبلوماسية الاقتصادية. خذوها قاعدة علمية.من يعتقد انه قادر على ان يفكر للحظة ان الانتشار الازرق. محدود بتخويف ما! فلينظر الى فساده. شبكة العلاقات الدبلوماسية الاقتصادية تصنع بالعرق. والتشبيك. والحوكمة والشفافية. ومع منظمات دولية كما شركات دولية. المعيار واحد: الشفافية والحوكمة ومصارف مركزية عالمية. والبنك وصندوق النقد الدولي. من يفشل في بلده الام سيفشل اينما كان. نقطة انتهى الجدل. لا عميل محكوم عن يد وسام الحسن قادر ولا قدير !

تتحدد خريطة الدبلوماسية الاقتصادية للبنان في مساحة بعيدة عن أروقة وزارة الخارجية الرسمية والسفارات والبرامج الحكومية التقليدية التي كبلها الشلل المؤسسي والتقلبات السياسية المحلية. بدلاً من ذلك، خُلقت شبكة دبلوماسية اقتصادية موازية كُتبت معظم فصولها في غرب أفريقيا، حيث تمكنت النخب الاستثمارية اللبنانية في الشتات، على مدى عقود، من تحويل رأس المال التجاري الأول إلى نفوذ سيادي هجين يجمع بين تملك البنى التحتية الكبرى، وأدوار الاستشارات السياسية الرسمية، وإدارة سلاسل القيمة الصناعية العابرة للقارات. غير أن هذه الإمبراطوريات الممتدة لا تتحرك في فراغ جيوسياسي مطلق؛ بل تصطدم باستمرار بـ “اليد الأمريكية والغربية الطولى” التي تفرض أطر الحوكمة ومعايير الشفافية، بالتوازي مع ملاحقة اتهامات الفساد الصادرة من بيروت، وتحديداً عندما تتخذ غطاءً أخلاقياً ودينياً بوزن الموقف الذي يعبر عنه البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، حيث تتحول هذه الاتهامات إلى سيف يلاحق الفاعلين اللبنانيين في أي مكان في العالم، ويزود الدوائر الغربية بالمسوغات القانونية لإعادة تصنيف الكيانات التجارية والشبكات العائلية وتطويقها بضربة رقابية واحدة. واضح !

لتفكيك هذه الخريطة المعقدة، ينبغي قراءة أربعة نماذج استثمارية تتكامل فيما بينها لتشكل هيكل هذا النفوذ اللبناني العابر للحدود؛ بدءاً من نموذج صناعة سلاسل القيمة العالمية الذي يمثله محمد علي خاشاب، مروراً بنموذج الوساطة الشبكية الرفيعة لجلبير شاغوري، والتوطين الصناعي العميق لمجموعة فادول، وصولاً إلى جسور التمدد السياسي في واشنطن عبر مسعد بولس. هذه النماذج الأربعة توضح كيف تحول رأس المال المغترب من مجرد تحويلات مالية للأسر إلى قوة جيو-اقتصادية تتقاطع مع كبريات صناديق الاستثمار الدولية، والأسواق الأوروبية، ومراكز القرار الجيوسياسي، تحت مجهر الرقابة الأمريكية والشرعية الأخلاقية القادمة من الداخل اللبناني.

تأتي ملاحقة تهم الفساد لتشكل بُعداً جيو-سياسياً وأخلاقياً يلاحق رجال الأعمال اللبنانيين عبر أفريقيا والعالم؛ فالفساد في لبنان لم يعد شأناً محلياً، بل تحول إلى مادة اتهام عابرة للحدود. وتتضاعف خطورة هذا الاتهام عندما يصدر أو يُغطى بمواقف صريحة من الصرح البطريركي في بكركي برئاسة البطريرك الراعي، الذي يمثل مرجعية روحية وسياسية تجاوزت حدود الداخل اللبناني لتصل إلى أروقة الفاتيكان، وباريس، وواشنطن. فعندما يرفع البطريرك الراعي الصوت ضد المنظومة الفاسدة والتحالفات المشبوهة بين المال والسياسة، تتقاطّف هذه المواقف فوراً مع تقارير أجهزة الاستخبارات ومؤسسات الامتثال الغربية. إن اتهاماً بالفساد يُثار في بيروت ويحظى بإدانة أخلاقية من بكركي يلاحق أي رجل أعمال أو كيان استثماري في العالم، إذ يمنح الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي الذريعة الأخلاقية والقانونية لتطبيق عقوبات “ماجنيتسكي” أو إدراج الشركات على لوائح الشبهات، مما يضع استثمارات الشتات في حالة استنفار دائم لحماية شرعيتها وسعة تحركها الدولي.

في هذا المشهد الرقابي الصارم، يبرز محمد علي خاشاب، رئيس مجموعة “ثونوس أوفرسيز جروب” (TOG)، كنموذج رائد لإدارة سلاسل القيمة الغذائية العابرة للقارات؛ فمنذ بداياته عام 1975 كمستورد وموزع للأسماك المجمدة، استطاع خاشاب أن يبني واحدة من أكبر الإمبراطوريات الصناعية المعلبة للتونة في أفريقيا، ممتدة بين ساحل العاج، ومدغشقر، وفرنسا، ومختلف الأسواق الأوروبية. إن هذا النشاط يربطه بعلاقات عضوية مع الدولة الإيفوارية وموانئها التنظيمية في “بورت أبانجان”، حيث تُعد مصانعه وسائطه الاستثمارية ركيزة أساسية للأمن الغذائي المحلي وتوفير فرص العمل، مما يمنحه موقعاً استراتيجياً في نسيج الاقتصاد الإيفواري بالتعاون مع البيئة التجارية اللبنانية العريضة والمؤثرة هناك. 

ولم يقف نموذج خاشاب عند الحدود الأفريقية، بل تمدد ليصبح فاعلاً رئيسياً في السوق الأوروبية المنظمة؛ حيث تسيطر مجموعته على نحو 25% من سوق التونة المعلبة في فرنسا عبر علامتهم التجارية الشهيرة ومراكز اللوجستية في دنكرك، ممتدة بعلاقاتها إلى كبرى سلاسل التوزيع والمتاجر الأوروبية، وصولاً إلى أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا الشرقية. وما يمنح هذا النموذج أبعاده الدولية المتقدمة هو تحوله من العائلية التقليدية إلى الرأسمالية المؤسسية؛ حيث أقدم خاشاب عام 2008 على إعادة هيكلة مجموعته عبر إدخال صناديق استثمار دولية كبرى في رأس المال، مثل صندوق “إميرجينغ كابيتال بارتنرز” (Emerging Capital Partners) وصندوق “كينغدوم زفير أفريكا مانيجمنت” (Kingdom Zephyr)، اللذين ضخا نحو 36 مليون يورو لدعم التوسع المالي والصناعي. هذا الاندماج مع صناديق الاستثمار الدولية يعطي شرعية مالية وحوكمة مؤسسية مرتفعة، تحول خاشاب من مجرد صناعي محلي إلى رجل شبكة صناعية عابرة للمحيطات تربط الموارد البحرية الأفريقية بالتوزيع الأوروبي والتمويل الدولي.

غير أن هذا الامتداد الصناعي واللوجستي الضخم يضع هذه المجموعات في قلب دائرة الرقابة الدولية والامتثال؛ وهنا تبرز “اليد الأمريكية والغربية” كضابط إيقاع صارم. فالعمل في قطاعات الصيد البحري، والنقل، والتصدير الدولي، والتعامل مع صناديق الاستثمار المؤسسية يفرض الامتثال التام لمعايير الحوكمة المالية، والشفافية في سلاسل التوريد، والالتزام الصارم بمعايير حقوق الإنسان ومكافحة الاتجار بالبشر. إن الولايات المتحدة، عبر تقاريرها السنوية حول الاتجار بالبشر (TIP) والتشريعات الصادرة عن وزارة الخزانة والعدل، تفرض رقابة شديدة على عمالة القطاعات البحرية والصناعية في أفريقيا. وأي خلل في حقوق العمالة أو ظهور شبهات تتعلق بالسخرة أو التعامل مع شبكات مالية غير رسمية متهة بالفساد من بيروت، يمكن أن يتسبب فوراً في تفعيل آليات العقوبات أو إعادة تصنيف تلك الشركات والمجموعات ضمن لوائح الكيانات المحظورة أو الداعمة للإرهاب.

وعلى جانب آخر من هذا النفوذ الشبكي، يقدم جيلبير شاغوري نموذجاً ريادياً للوساطة غير الرسمية؛ فقد بنى قوته الاقتصادية في نيجيريا عبر قطاعات البناء والعقارات السيادية كمشروع مدينة “إيكو أتلانتيك” في لاغوس، وتوسع نفوذه ليشمل مواقع استشارية رسمية كمستشار اقتصادي لدولة بنين، وحضوراً في الشبكات الفرنسية-النيجيرية الرفيعة. غير أن هذا الحضور لم يمنع اصطدامه بالمؤسسات الأمريكية، وهو ما تجلى في التسوية المالية التي عقدها مع وزارة العدل الأمريكية عام 2021 ودفع بموجبها 1.8 مليون دولار لحل اتهامات واشتباهات ارتبطت بتحقيقات في تزوير وتسريبات. تظهر هذه التسوية كيف تفرض المنظومة الرقابية الأمريكية حدود الامتثال على الفاعلين غير الرسميين، مؤكدة أن ألقاب الاستشارة والدبلوماسية الشرفية لا توفر حصانة أمام أطر الحوكمة والمساءلة القانونية.

وتتضح الأبعاد السياسية لشبكة شاغوري عند تقاطع اسم شاغوري مع الدوائر اللبنانية النافذة؛ حيث يبرز تقاطعه غير المباشر مع نادر الحريري في سياق تقارير واستقصاءات تناولت منح واستخدام جوازات سفر دبلوماسية وإعفاءات داخل منظمة اليونسكو ضمن قائمة شخصيات رفيعة، وهو ما يعكس استخدام التسهيلات الدبلوماسية الشرفية لتأمين حرية الحركة الدولية. كما يظهر موقعه ضمن شبكاترجال الأعمال اللبنانيين-النيجيريين المقربين من دوائر نفوذ سعد الحريري دون وجود شراكة مؤسسية معلنة. ومع فرض العقوبات الأمريكية على شخصيات سياسية مثل جبران باسيل وسليمان فرنجية وفق معايير الفساد والحوكمة، تزداد القيمة الاستراتيجية للفاعلين الشبكيين من أمثال شاغوري للعب أدوار القنوات الخلفية، غير أن هذه القنوات تظل تحت الرصد الأمريكي المتواصل، خصوصاً إذا اقترنت تلك الشخصيات السياسيّة بإدانات أخلاقية متكررة من مرجعيات كالبطريركية المارونية، مما يجعل الوساطة خطرة ومكلفة دولياً.

وعلى خط موازٍ للتوطين الصناعي، تقدم مجموعة فادول (Fadoul Group)، التي أسسها ميشيل زُهير فادول عام 1966 في بوركينا فاسو، نموذج التوطين الإنتاجي العميق في قطاعات البناء والكهرباء والتصنيع وتجارة الخشب. هذا النموذج جعل الجالية اللبنانية في أفريقيا الفرنكوفونية ركيزة أساسية للبنية التحتية المحلية. غير أن هذا التوطين يضع المجموعة بدوره أمام اختبارات الامتثال الدولية؛ إذ إن الامتثال لمعايير الشفافية وحقوق الإنسان والابتعاد عن استغلال العمالة يخضع لرقابة المؤسسات الغربية، لمنع تصنيف الكيانات الصناعية كمؤسسات تنتهك معايير العمل الدولية أو توفر بيئات حاضنة للاتجار بالبشر أو تستفيد من صفقات فساد عابرة الحدود.

تصل هذه الخريطة إلى ذروة اندماجها السياسي الجيو-استراتيجي من خلال المصاهرة الأسرية التي جمعت بين سارة فادول بولس ومسعد بولس، رجل الأعمال اللبناني-الأمريكي الذي بنى شبكة استثماراته بين نيجيريا والولايات المتحدة. ومع زواج ابنه مايكل بولس من تيفاني ترامب وصعود مسعد بولس إلى موقع المستشار الرفيع للشؤون العربية والشرق أوسطية في الإدارة الأمريكية، تحول المال الأفريقي ذو الأصول اللبنانية إلى نفوذ مباشر في واشنطن. غير أن هذا القرب من السلطة الأمريكية يفرض ضغوطاً مضاعفة فيما يخص معايير الشفافية وتضارب المصالح وتدقيق الأصول، حيث تصبح كافة الأنشطة الاقتصادية للعائلة الممتدة تحت تدقيق الأجهزة الأمريكية لضمان الامتثال التام لقوانين الحوكمة، وخلو ملفاتها من أي شبهات فساد ملتصقة بالداخل اللبناني.

تؤكد هذه المعطيات المتكاملة أن الدبلوماسية الاقتصادية غير الرسمية للبنان تُدار ضمن نظام شبكي عابر للقارات يربط بين أربعة أضلاح محورية. يمثل الضلع الأفريقي في نيجيريا، وساحل العاج، وبوركينا فاسو، ومدغشقر، وبنين، قاعدة الإنتاج، واستخراج الموارد، والتصنيع، والتوسع في البنية التحتية. ويمثل الضلع الأوروبي، في باريس ودنكرك ومراكز التوزيع، المنفذ التجاري واللوجستي الرئيسي للسلع والمنتجات العابرة للمتوسط. بينما يشكل الضلع الأمريكي في واشنطن الناظم الرقابي والسياسي الأعلى الذي يملك أدوات الشرعنة أو التصنيف والعقاب عبر تشريعات الحوكمة والشفافية ومكافحة الاتجار بالبشر والإرهاب. وفي مركز هذا المثلث، يقف لبنان والبطريركية المارونية في بكركي كمرجع أخلاقي وسياسي؛ حيث إن أي اتهام بالفساد يخرج من بيروت، بمباركة أو رفع صوت من البطريرك الراعي، يتحول إلى قوة ملاحقة تحرم هذه الشبكات من غطائها الرمزي، وتجعلها مكشوفة أمام الرادار الدولي الذي يستطيع إعادة تشكيل هذه الخريطة بقرارات حوكمة وعقوبات لا ترحم.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …