من تفكيك النسيج الاجتماعي إلى شخصنة السلطة: حالة المحافظ بشير خضر وإشكالية التكليف الفردي في زمن الأزمات

بشير، ما زالت LALA لا تدفع الـ ATV ، وما زالوا يعتقدون ان وضع الاسم مع اوغاريت يعني انها تنتمي للحزب القومي(!) وليس ان لاوغاريت مشاكل مع الهيكل التاسيسي واستعانت بها باعتبارها وسط مصيبة صنعها عيسى البلاط (كتاب بثينة شعبان للرسائل الاستخباراتية) . اوغاريت، بهذه المناسبة، وتعرف ان LALA اعتبرتك واعتبرت سعدى علاو الحل الوحيد لواقع سيطر فيه بشار الاسد. واليوم فلوله . وهكذا! فهمتهم تاريخ بيروت خطأ

الجذور السياسية لـ “التأسيس غير المؤسسي”

لا يمكن فهم الإشكاليات الهيكلية التي تعتري الإدارة العامة اللبنانية—لا سيما في مستوياتها الإقليمية والمحلية—دون الغوص في تشريح حالة التعيين نفسها، والمسار السياسي والفردي للمسؤول العام، والثقافة التنظيمية للبيئة التي أفرزته. تشكل حالة محافظ بعلبك-الهرمل، بشير خضر، نموذجاً تطبيقياً حياً لفهم كيف تتقاطع “الشخصنة” والناشطية السياسية القائمة على الصراع مع منطق الدولة ووظائفها الإدارية في زمن الأزمات الاستثنائية.

إن الوصول إلى موقع الإدارة المركزية لم يكن معزولاً عن المسار التاريخي للتيار السياسي الذي ينتمي إليه خضر (“التيار الوطني الحر”). فقبل أن يتحول التيار إلى مؤسسة حزبية منتظمة بالمعنى البيروقراطي، عاش حالة من “الحراك الشعبي والفردي السيّال” والمنتدبات غير الرسمية. وفي تلك البيئة المائعة، جرى الاستثمار في القدرات الفردية، واستُخدمت الثغرات العائلية والاجتماعية كأداة في الصراع السياسي ضد أحزاب تقليدية تقوم على أطر عقائدية صارمة (كحزب الكتائب اللبنانية الذي يتأسس شعاره وثقافته على ثنائية “الله، الوطن، العائلة”).

إن هذا المسار يوضح كيف أن “الشخصنة” وتفكيك الأطر التقليدية كانا معطى أساسياً منذ البداية؛ إذ جرى تجيير المكاسب الفردية لصالح مشروع سياسي دون إطار مؤسسي حزبي صارم، ثم نُقل هذا المنطق الفردي نفسه إلى صلب الإدارة العامة عند التعيين في موقع المحافظ.


أولاً: أدلجة العقول، استغلال العائلية، وهندسة “الإحلال السياسي”

لتفكيك خلفية هذا المنطق الإداري، لا بد من العودة إلى كيفية إدارة العقول والتنظيم في المرحلة التأسيسية. غالباً ما تشكل الاحتفاليات الحزبية المخصصة لتسليم البطاقات للانتسابات الشبابية الجديدة مرآةً حقيقية للكيفية التي تُدار بها الأحزاب. يظهر ذلك جلياً في أدبيات وخطابات قياديي التيار (كما في الخطاب الأخير للقيادي رولاند خوري)، حيث يُقدَّم نموذج مكثف للخطاب الذي يمزج بين الشحن العاطفي والتأطير الأيديولوجي، ليمزج مفهوم “التثقيف السياسي” بآليات التعليب الممنهج.

1. النوستالجيا الموجهة والتثقيف المؤدلج

يُستحضر التاريخ ونضالات التسعينيات ورمزيّة “7 و9 آب” وتوزيع الأقراص المدمجة لا للتأريخ الفكري، بل لإسقاط نضالات الجيل الأول وتضحيات العائلات على واقع اليوم، وتأطيرها كـ “رأس مال سياسي” يُشرعن خيارات القيادة الحالية. ومن هذا الباب العاطفي، تُمارَس أدلجة صريحة تُعطّل التفكير المستقل تحت مسمى “الالتزام الواجب”، وتُحوّل الشاب من فاعل سياسي يناقش ويحاسب إلى مجرد مجند يدافع عن السردية الرسمية، ويبرر تقلباتها باسم “التنظيم”، واصماً كل محاولة للنقد الداخلي بقمع تحت شماعة محاربة “الغيرة التي دمّرت الأحزاب”.

2. اختراق البيئة العائلية والترهيب الرقمي

تتجلى الخطورة الكبرى لهذا المنهج عندما تتجاوز حدود حصد المكاسب التنظيمية لتصل إلى إدخال الصراع السياسي في العمق الاجتماعي والأسري. ففي حين تقوم أدبيات أحزاب كـ “الكتائب” على العائلية السياسية بموجب شعارها، قام منهج الإدارة التأسيسية لدى التيار على عدم إمكانية الخروج من تلك العائلية إلا بـ “بث الخلافات وتعزيزها بين العائلات نفسها”.

ولم يقف الأمر عند الخلاف الفكري، بل تحول إلى ملاحقة ووشاية ممنهجة؛ حيث استُهدف المناضلون الذين لجأوا إلى الكتابة بأسماء مستعارة عبر “منتديات الأحزاب” الإلكترونية لحماية أنفسهم وروابطهم العائلية. وجرى كشف هوياتهم وتجريدهم من أمانهم الرقمي والسياسي عبر سخرية سوداء وتهديد نفسي، وصل في أحيان كثيرة إلى حد الوشاية والتسليم للأجهزة الأمنية والإقليمية المرتبطة بالنظامين السوري والإيراني، مما وضع حياتهم وأمنهم في خطر داهم.

Code
[ثقافة التأسيس بالتفكيك والصراع]
          │
          ▼
[الوشاية، الترهيب الرقمي، وإزاحة المناضلين الأصليين]
          │
          ▼
[معادلة "الإحلال": صعود التكنوقراط والواجهات الإعلامية والمُعيّنين]
          │
          ▼
[إسقاط المنطق الفردي والرمادي على إدارة الدولة (نموذج المحافظ)]

3. معادلة “الإحلال” والضحايا على مذبح السلطة

لولا هذا التفكيك والتخريب الممنهج للبيئة الوطنية العفوية، ولولا تسحيق القواعد النظيفة، لما كُرّست معادلات “الإحلال السياسي والإعلامي” لاحقاً؛ فلولا إزاحة المناضلين المستقلين، لما فُتح المجال لإدخال شخصيات كـ “روني ألفا” إلى عمق المؤسسات الإعلامية، ولما ارتفع نجم إعلاميين كـ “ماريو عبود” على أنقاض المناضلين الحقيقيين، ولما وصل بشير خضر (ابن طرابلس) ليصبح محافظاً لبعلبك-الهرمل ويحاضر كضيف في مدرسة “القلبين الأقدسين” في كفرحباب بعد تفريغ الساحة من قيادتها الأهلية والنقابية الأصيلة.

وقد امتدت آثار هذا التفريغ لتطال المؤسسات الصحفية كجريدة “النهار” التي تحولت إلى ساحة لصراعات الأجنحة واستهداف الصحفيين الذين رعاهم الشهيد جبران تويني. وفي وسط هذا الجحيم، برزت قامات حقوقية كـ زياد بارود الذي خاض معارك الدفاع عن وجود الملاحقين، وتقاطعت المأساة مع البُعد الإنساني للشهيد سمير قصير، الذي لم يجد حلاً لحماية طفلته “Lala” وتأمين سلامتها وسط هذا الجو الموبوء بالجريمة المنظمة إلا بإيجاد ملجأ لها عبر “جمعية الشابات المسيحيات” لتكبر تحت كنف “آل قصير”، في وقت كان يُسعى فيه لكشف هوية الطفلة واستهدافها انتقاماً من رموز النضال الحر.

إن هذه الوقائع تُسقط الأسطورة التي تحاول إعطاء نضالات التسعينيات لوناً حزبياً أحادياً؛ إذ إن تلك المرحلة احتضنت مناضلين غير مفروزين حزبيّاً وفرت لهم شخصيات من خارج التيار (مثل نادر الحريري وصالح المشنوق) حماية وتغطية إعلامية، بينما جاءت الطعنات والوشايات للأجهزة الأجنبية من “رفيق السلاح” الذي تحول إلى أداة قمع داخلية.


ثانياً: إسقاط “المنطق الفردي” على الوظيفة العامة والعمل البلدي

إن هذا التاريخ التنظيمي والنفسي يوضح كيف أُنتجت السلطة العامة. عندما ينتقل مسؤول من خلفية نشاط سياسي وإعلامي اعتمد على “المبادرة الفردية، المنتديات غير الرسمية، وتجاوز المؤسسات” إلى موقع الإدارة المركزية (كمحافظ)، فإنه يميل بوعي أو غير وعي إلى استخدام الأدوات ذاتها في إدارة المرفق العام: المبادرة الشخصية، التكليف الفردي، والاعتماد على قنوات التواصل غير المأسسة.

المفارقة البنيوية في حالة المحافظ بشير خضر

وهنا تبرز المفارقة البنيوية التي تستحق القراءة المتأنية: إن احترام الإنسانية العالية للمحافظ بشير خضر، وحسه العالي جداً بالمسؤولية، وامتلاكه الشجاعة الأدبية والموضوعية لقراءة أخطائه والتعلم منها—وهو ما يُرفع له القبعة احتراماً على المستوى الشخصي—لا يمنع القراءة النقدية للهيكل الإداري الذي يعمل ضمنه.

بل على العكس؛ إن تجربة مسؤول يتمتع بحس إنساني ومسؤولية فردية تُثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن “حسن النية والكفاءة الفردية لا يمكن أن تكونا بديلاً عن المؤسسة والقانون”، وأن المساعي الفردية—مهما بلغت نبل غاياتها—تظل عرضة للانكشاف القانوني والحوكمي عند الاصطدام بالواقع المعقد لكوارث الحرب واشتراطات المانحين الدوليين.

ظاهرة “المنسق الفردي” والعيب القانوني

تتجلى هذه الدينامية في حالة تكليف “منسق بين المحافظة والجمعيات والجهات المانحة”. فهذا التكليف ليس مجرد تفصيل إداري عابر، بل هو امتداد لمنطق “تجنيد الموارد الفردية” خارج الأطر المؤسسية الرسمية:

  • في الظروف العادية: قد يُنظر إلى هذا التكليف بوصفه مبادرة نشطة من محافظ يمتلك حسّاً بالمسؤولية ويريد سد الفراغ الإداري في محافظة تعاني من نقص الموارد كبعلبك-الهرمل.

  • من المنظور القانوني والحوكمي: يتحول هذا التكليف إلى “إنشاء لمركز وظيفي رمادي” خارج الملاك، يفتقر إلى السند التشريعي، ويصيب القرار الإداري بـ “عيب عدم الاختصاص الجسيم” (Incompetence Defect).

إن خطورة هذا المنطق تكمن في أنه يستبدل بناء “المؤسسة الدائمة” بـ “الفرد المبادِر”. وعندما تتغير الأشخاص أو تتبدل الموازين السياسية، تنهار الآلية برمتها لأنها لم تُبْنَ على قواعد إدارية قابلة للاستمرار، بل على علاقات شخصية وقدرات فردية متغيرة.


ثالثاً: آليات هدم الدولة: كيف تُحوّل “المحاصصة” الإدارة العامة إلى شبكات زبائنية؟

لا تكمن الخشية الحقيقية من نظام “المحاصصة السياسية والطائفية” في كونه مجرد صيغة لتوزيع التمثيل السياسي بين المكونات، بل في الكيفية التي يُنفّذ بها هذا النظام داخل الإدارة العامة. فالإشكالية البنيوية التي تعطل نواتج التنمية وتدمر كفاءة الدولة تتجاوز “تقاسم الكعكة” إلى الميكانيزمات التي تُمارس بها هذه المحاصصة؛ وهي ميكانيزمات تقوم في جوهرها على شخصنة السلطة والهروب المتعمد من الأطر المؤسسية والقانونية نحو القنوات الفردية والأنظمة الموازية غير الخاضعة للرقابة.

تتجلى هذه الإشكالية بوضوح عندما تُدار الأزمات الاستثنائية—ككوارث الحرب والنزوح—عبر قرارات ظرفية، كإسناد مهام التنسيق وإدارة المساعدات إلى “منسقين فرديين” أو “لجان طوارئ مؤقتة” بقرارات صادرة عن سلطات تعيينية كالمحافظين، بعيداً عن الهياكل الإدارية الأصيلة والسلطات المحلية المنتخبة. ويتفكك هذا النمط العملي عبر أربعة أبعاد رئيسية:

1. شخصنة الوظيفة العامة واقتلاع “سياج المشروعية”

تعتمد المحاصصة في تطبيقها الميداني على استبدال “مبدأ المشروعية وسيادة القانون” بـ “قواعد الولاء والقرب من مركز القرار”. ففي دولة المؤسسات، تُستمد الصلاحية من النص القانوني الصريح، وتُمارس عبر موظفين يخضعون لملاكات محددة، وآليات مسؤولة، وتسلسل إداري واصلٍ إلى المساءلة القضائية.

أما عندما تُطبق المحاصصة بأسلوبها الزبائني، فإنها تعمد إلى خلق أدوار رمادية وإسنادها إلى أفراد خارج الهيكل الوظيفي الرسمي تحت مسميات مرنة مثل “منسق”، أو “متطوع”، أو “مستشار”. إن الهدف المضمر لهذا الإجراء هو إنتاج سلطة فعلية بلا مسؤولية قانونية؛ إذ يتولى هذا الفرد رسم الأولويات، والتأثير في توزيع الموارد، وتوجيه المساعدات، دون أن يكون مسجلاً في ملاك رسمي، ودون أن يمتلك صفة قانونية تتيح لمجلس شورى الدولة أو ديوان المحاسبة محاسبته، أو تتيح للمواطنين والبلديات الطعن في قراراته. وبذلك، تتحول الخدمة العامة من “حق مواطني تكفله المؤسسة” إلى “مكرمة شخصية يُسديها النافذ عبر أزلامه”.

2. الخوف من “المؤسسة” والهروب من آليات التدقيق

توجد علاقة طردية عكسية بين تطبيق المحاصصة الشفافة وبين وجود المؤسسة الدائمة. فالمؤسسة العامة الرسمية خاضعة بطبيعتها لسلسلة من القوانين الحاكمة، مثل قانون الشراء العام (244/2021) الذي يفرض المنافسة والعلنية، وقانون الحق في الوصول إلى المعلومات (28/2017) الذي يلزم بالإفصاح الاستباقي، فضلاً عن آليات الرقابة المالية والإدارية المسبقة واللاحقة.

تدرك شبكات المحاصصة أن إمرار التوزيع المنحاز وإرضاء القواعد السياسية لا يمكن أن يتما عبر القنوات المؤسسية الشفافة دون الاصطدام بالقانون. لذلك، يكون الهروب نحو “القنوات الرمادية” خياراً منهجياً؛ فتُصاغ قرارات التكليف الفردي، وتُنشأ اللجان المؤقتة لنقل الأموال والمساعدات بعيداً عن السجلات الرسمية للحسابات العامة. إن هذا الهروب التنظيمي هو السبب الأساسي الذي يجعل المانحين الدوليين يترددون في تقديم الدعم، لعلمهم أن المساعدات التي تُدار عبر أفراد غير محسوبين على ملاك موحد وقابل للتدقيق (Auditable Governance) تنتهي غالباً في قنوات الهدر والهندسات الزبائنية.

3. مصادرة الشرعية المنتخبة لصالح سلطة التعيين والنفوذ

يتجلى الخلل الهيكلي للمحاصصة في تعاملها مع السلطات المحلية المنتخبة كالبلديات. فالمجلس البلدي يمثل “شرعية ديمقراطية محلية” تمتلك استقلالاً إدارياً ومالياً بموجب القانون، مما يجعل من الصعب إخضاعها بالكامل لمتطلبات المحاصصة السياسية.

نتيجة لذلك، تلجأ آلية المحاصصة إلى مصادرة الاختصاص البلدي من الأدنى وتجميعه في الأعلى، عبر منح المحافظين أو القائمقامين—ومن ثم منسقيهم الشخصيين—سلطات فعلية توجيهية وتقريرية على البلديات. فتُحرم البلديات الصغرى والفقيرة من التواصل المباشر مع المنظمات والجهات المانحة، وتُجبر على المرور عبر “قناة الوسيط المكلّف”. إن هذا السلوك لا يشكل انتهاكاً صارخاً لقانون البلديات وفلسفة اللامركزية الإدارية فحسب، بل يكرّس واقعاً يُحرم فيه المسؤول المنتخب من أدوات خدمة مجتمعه، ليُستبدل بآخر مُعيّن يدين بوجوده ووظيفته للجهة السياسية التي فرضته.

4. تغييب المعايير العلمية لصالح التقدير الشخصي

إن أي إدارة رشيدة تستجيب للأزمات وكوارث الحرب تعتمد على “مؤشرات موضوعية قابلة لقياس الأثر” (Composite Indices) لترتيب أولويات الدعم؛ كنسبة الدمار المادي، حجم النزوح، مؤشرات الفقر، والقدرة المالية الذاتية للإدارة المحلية.

أما طريقة تطبيق المحاصصة فتتطلب إبقاء المعايير غائمة غير معلنة، حيث يُستبدل “المؤشر العلمي” بـ “التقدير الشخصي للمكلف أو المحافظ”. وبغياب قواعد معلنة ومسبقة لتوزيع المساعدات أو تنفيذ المشاريع، يُسلب أصحاب المصلحة (المواطنون والبلديات المتضررة) حقهم في الاعتراض أو المساءلة؛ إذ لا توجد قاعدة مكتوبة يمكن قياس التجاوز عليها. هذا التعمّد في غياب المعايير الموحدة هو الذي ينتج التفاوض الزبائني خلف الأبواب المغلقة، حيث يُحدد حجم الدعم بناءً على مدى القرب من السلطة أو القدرة على تقديم التنازلات السياسية.


خاتمة: مأسسة الحوكمة كمدخل لإبطال المحاصصة واستعادة الحقيقة

إن الشائك في قضية المحاصصة والشخصنة ليس وجود التنوع السياسي أو العشائري أو المناطقي، بل في استخدام الإدارة العامة كأداة مطواعة لخدمة هذا التنوع على حساب سيادة القانون والحاجة الفعلية للناس.

تُظهر حالة المحافظ بشير خضر أن الخلل ليس إنسانياً أو أخلاقياً في ذات المسؤول، بل هو خلل بنيوي يكمن في تغليب “الاجتهاد الفردي والتكليف غير المؤسسي” على حساب “قواعد الإدارة العامة الرشيدة”. كما تُظهر الذاكرة غير القابلة للمحو—ذاكرة الأطفال والعائلات التي شَهدت كيف يُباع النضال العفوي وتُدمر البيوت تحت وطأة العنف السياسي والوشايات الحزبية—أن التثقيف السياسي الحقيقي والمأسسة الإدارية الفعالة يبتدئان من نقطة واحدة: رفض تزوير التاريخ الإنساني والنضالي، ومنع القيادات من تحويل آلام الضحايا وتضحيات المؤسسات إلى مجرد حطب لإنعاش خطابات رنانة أو لتبرير آليات تعيين فردية غير قانونية.

إن علاج هذا الخلل البنيوي لا يتحقق بالوعظ الأخلاقي ولا بالشعارات الفضفاضة، بل بـ “المأسسة الصارمة”؛ أي بإغلاق القنوات الفردية الرمادية، وإبطال قرارات التكليف غير المستندة إلى ملاك قانوني، وإنشاء هياكل دائمة ومُعلنة—مثل “المركز الوطني لتنسيق ودعم البلديات”—تخضع لقوانين الشراء العام والوصول للمعلومات والرقابة القضائية المزدوجة.

عندما تُجبر الإدارة على العمل داخل “صندوق المؤسسة والشفافية”، تضيق المسافات التي تتحرك فيها المحاصصة الزبائنية، وتتحول المساعدة والاستجابة للأزمات من “وسيلة هيمنة وتفاوض سياسي” إلى “واجب إداري وحق مواطني” يخضع للمساواة، وقابلية التتبع، والرقابة الديمقراطية لأصحاب المصلحة الحقيقيين.

 

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …