جحيم مُهَنْدَس: الرجل الذي عاد من الموت.. هل يدفع الثمن؟

عن موقع : https://coatnet.global

غالباً ما يُصوَّر “الجحيم” في الأديان كمكان للعقاب، لكن في عالم الاتجار بالبشر، الجحيم ليس مجرد استعارة مجازية؛ بل هو “هندسة” مكتملة الأركان، لها روتينها، وتسلسلها الهرمي، وعقوباتها المصممة بدقة لسلب الإنسان إرادته وكسر شوكة مقاومته. هذا ما تعلمه “أيوب” حين غادر كينيا بحثاً عن مستقبل أفضل، ليجد نفسه محاصراً داخل نظام بُني على القسوة المطلقة.

نشأ أيوب في قرية زراعية مترابطة، كانت طفولته تفوح برائحة المانجو والأرض الطيبة، وكان والده يحثه دائماً على التعليم كسبيل وحيد للفرص. حين شبَّ، كافح أيوب في نيروبي، ودرس لفترة في الكلية، ثم احترف صناعة الأثاث بعد أن حالت الظروف المادية دون إكمال دراسته. نجح في بناء عمله الخاص، وتوسع فيه، بل وخاض الانتخابات السياسية؛ ورغم حصوله على المركز الثالث، كان فخوراً بما أنجزه.

ازدهرت ورشته حتى حلَّت جائحة “كوفيد-19″؛ فانهارت المبيعات، وتوقفت الرواتب، وتراكمت الإيجارات. ومع مرور الشهور التي تحولت إلى سنوات، وفي ظل إلحاح الحاجة لتوفير حياة كريمة لأسرته، قبل أيوب عرض عمل في تايلاند براتب مغرٍ قدره 2500 دولار شهرياً. دفع 300 ألف شلن كيني للوسطاء، وتحمل رحلة سفر شاقة. وعند وصوله، استقبلته الشرطة ورافقته سيارات فاخرة؛ فحدث نفسه مطمئناً بابتساماتهم وكلامهم المعسول: “يا لروعة هذه الوظيفة، حتى أنهم خصصوا لي حراسة ومركبات!”. وبينما كان يجلس في سيارة “أستون مارتن”، تخيل حياته الجديدة وقال: “انتهت معاناتي”. لكن صوتاً خفياً في أعماقه كان يهمس بأن شيئاً ما ليس على ما يرام. وبحلول وصوله إلى الفندق، كان الإنهاك قد نال منه.

انتهت تلك اللحظات الجميلة فجأة، وتلاشى الوهم بين عشية وضحاها. اقتحم رجال مسلحون غرفته، انهالوا عليه بالضرب، ونقلوه عبر نهر إلى ميانمار. هناك، أُخبر بأنه قد “بِيعَ”، وقيل له بتهديد: “إما أن تتحرك أو سنريك ما نفعله بمن يعصي أوامرنا”. دُفع إلى قارب، وأُخبر ببرود: “أنت الآن في بورما، ولست في تايلاند”.

في مخيم ناءٍ، شهد أيوب أهوالاً؛ الصعق بالكهرباء، والجلد، والتعذيب الممنهج. تعرض للضرب والتقييد بالسلاسل، وعوقب لمجرد محاولته المقاومة. كان الطعام شحيحاً والنوم ترفاً لا يُنال. أصبح البقاء على قيد الحياة مجرد عملية حسابية: اصبر، تكيَّف، وحاول ألا تموت.

ورغم الأوامر الصارمة، خاطر أيوب وأرسل رسالة لزوجته: “أنا في الجحيم، افعلي كل ما بوسعك لإخراجي من هنا”. وبعد أشهر، وبفضل مقاومة جماعية وتدخل عسكري، نال حريته.

عاد أيوب إلى كينيا، مثقلاً بالصدمات والديون، لكنه كان حياً. قدمت له منظمة (HAART Kenya) الدعم اللازم في هذه المرحلة العصيبة من حياته، ومن خلال الاستشارة النفسية، والعودة للزراعة، والإيمان، ودعم المجتمع، استطاع أن يبني حياته من جديد. واليوم، يرفع أيوب صوته عالياً ضد الاتجار بالبشر، عاقداً العزم على ألا يقع أحدٌ آخر في فخ اعتبار “وعدٍ بفرصة” مدخلاً لجحيم مُهندَس بعناية.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …