سقطتان اثنتان لـ 10 نواب

كتب رزق الله الحلو:

كأنه مكتوب للمُتعاملين مع وزارة الإعلام، أن يُحرموا دُفعةً بعد دُفعةٍ، مِن أبسط حُقوقهم الوظيفية، ولو تسلحوا بشرعية مجلس الخدمة المدنية…

فما كادت “اللُقمة تصل إلى الفَم”، حتى انقضَّ عليها عشرة من نواب الأمة، محاولين “لهطها”، ليس بدافع الحاجة ولا بحجة “وقف الإهدار”، بل بدافع الكيدية السياسية ومن باب تصفية الحسابات على حساب حُقوق الإعلاميين العاملين في القطاع العام، عبر هضم حُقوقهم بعد عُقود من العمل في وزارة الإعلام!.

وبعدما أُشبع مشروع إخضاع العاملين في وزارة الإعلام دراسةً وملاحظاتٍ، خلال عُقودٍ مِن الزمَن…

وبعدما اجتاز القانون “قطوع” المجلس النيابي ونال أصوات الأكثرية النيابية المطلوبة، مع حبة مسك…

وبعدما وقعه رئيس الجمهورية جوزاف عون، ونُشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 6 آب 2026…

يُصرّ النُواب المُعرقلون العشرة، على حجب الحُقوق عن مُستحقيها، عبر الطعن بالقانون رقم 49، المُعنوَن “إخضاع المُتعاقدين لشُرعة التقاعُد” أمام المجلس الدُستوري، مع طلب تعليق مفعول القانون!.

وبذلك يكون النُواب العشرة قد سقطوا سقطتين اثنتين، وهُم السادة: ملحم خلف – فراس حمدان – نجاة عون صليبا – سينتيا زرازير – سليم الصايغ – وضاح صادق – إبراهيم منيمنة – حيدر ناصر – ميشال دويهي ومارك ضو.

* السَّقطَة الأُولى قانونية، إذ إن القانون 49، يُعالج وضعا وظيفيا قائما، بخلاف ما يُصوره النواب العشرة، من أنه امتياز استثنائي لفئة، وهو ما يُرجّح صُموده أمام الطعن.

الدكتور معلوف

هذا ما أكده لي المُحامي الدكتور كميل حبيب معلوف، ردا على سؤال عن رأيه بالطعن. قال: “إن القانون رقم ٤٩ لعام ٢٠٢٦، الذي أقرّه مجلس النُواب في ١٥ تموز، ونُشر في الجريدة الرسمية في ٦ آب، يمنح المُتعاقدين الخاضِعين لأحكام المرسوم رقم ٥٢٤٠، حقهم في التقاعُد وتقديمات تعاونية مُوظفي الدولة، أسوة بالمُوظفين الدائمين”.

وأوضح: “طُعن في القانون من عشرة نُواب أمام المجلس الدستوري، بحجة أنه يخلق تمييزا بحصر الاستفادة بمُتعاقدي وزارة الإعلام (الخاضِعين لأحكام المرسوم رقم ٥٢٤٠) دون سواهُم”.

أضاف: “غير أن نص المادة الأولى، كما أُقرّ نهائيا، جاء عاما ولم يحصر الاستفادة بوزارة بعينها، بل اعتمد معيارا موضوعيا واحدا، يسري على كُل من شمله المرسوم ٥٢٤٠ في أي إدارة. والعبرة قانونا بنص الحُكم المُلزم لا بتسمية القانون المتداولة إعلاميا. وبذلك تفقد حجة التمييز ركيزتها الأساسية، ويبقى القانون معالجة لوضع وظيفي قائم، لا امتيازا استثنائيا لفئة، وهو ما يُرجّح صموده أمام الطَّعن”، ختم الدكتور معلوف.

الدكتور مَلّي

وكذلك يُذكِّر الدكتور محمد ملّي بأنّ القانون 49 “أُقرّ بغالبية نيابية واضحة، إذ تمت إعادة مُناقشته والتصويت عليه بالمُناداة، وأُقرّ بـ 61 نائبا في مُقابل 30. وهذا يعطيه وزنا تشريعيا وسياسيا واضحا، وإن كان لا يمنع المجلس الدستوري من إبطاله إذا وجد مخالفة دستورية”.

أضاف: “القانون لا يمنحُكم مُجرد (مُساعدة) أو منحة، بحسب الصيغة التي أُقرت: (يخضع المُتعاقدون الذين تنطبق عليهم شُروط المرسوم 5240/2001 لنظام التقاعُد والصرف من الخدمة، مع الاستفادة من تقديمات تعاونية موظفي الدولة)… أي أن المُشرّع أنشأ إطارا قانونيا دائما للحُقوق التقاعُدية، وليس مُجرد تعويض استثنائي”.

كما ويُشير الدكتور مَلّي إلى “أساس موضوعي للتمييز بين مُتعاقدي وزارة الإعلام وسائر المُتعاقدين، كونهُم فئة لها وضع قانوني وواقعي خاص، بعدما أُجريَت عقودهم أو تمت المُوافقة عليها من مجلس الخدمة المدنية، واستنادا إلى المرسوم 5240، وبعد خدمة فعلية طويلة في الدولة (بين 30 وأربعين سنة)”.

وبذلك يسقط ادعاء النواب العشرة بأن القانون 49، يُشكل “تمييزا تعسُّفيا”.

ولكن مَلّي يوضح: “مُقدمو الطعن لا يقولون إن منح المتعاقدين مع وزارة الإعلام الحقوق التقاعدية أمر غير مشروع في حدّ ذاته، بحسب ما نُشر عن الطعن، بل يقولون إن إنصاف المُتعاقدين وتأمين حُقوقهم التقاعدية حق مشروع، ولكن اعتراضهم يتمحور حَوْل طريقة التشريع، ومبدإ المُساواة بين فئات المُتعاقدين”.

ويستدرك مَلّي: “إن المُساواة أمام القانون، لا تعني بالضرورة مُعاملة جميع الأشخاص بالطريقة نفسها، بل تعني مُعاملة الأشخاص الموجودين في أوضاع قانونية مُتشابهة بالطريقة نفسها”، غامزا من قناة “خُصوصية وضع المُتعاقدين المشمولين بالمرسوم 5240، طبيعة عقودهم، موافقة مجلس الخدمة المدنية، سنوات الخدمة، وآلية خُضوعهم للدولة”.

ويتفق الدكتور مَلّي مع ما كان أشار إليه الدّكتور معلوف، في قوله إن “القانون لم يبقَ محصورا بعبارة (وزارة الإعلام) في صيغته النهائية؛ فقد جرى تعديل الصيغة أثناء الجلسة، وأُزيلت عبارة وزارة الإعلام بحسب ما نُقل عن مجريات الجلسة، وهو ما وسّع نطاق المُعالجة. وبالتالي فإن القانون لم يوضَع خصيصا لفئة مُحددة أو من دون مُبرر”.

ويُعطي مَلّي قُوة الدفاع عن دُستورية القانون علامة 7 / 10، ولكن هذه ليست نسبة احتمال صُدور الحكم. بل هي تقدير لقُوة الحجج المُؤيدة للقانون في مواجهة أسباب الطعن المعروفة حتى الآن”…

السّقطة الثّانية…

وبالعَودة إلى السّقطة الثانية للنواب العشرة، فهي سقطة خُلُقية، إذ كيف يُعقَل لنائب “تغييري” في الدورة البرلمانية الأولى له، ولم يمض بعد على وجوده في البرلمان إلا بضع سنوات، أن يسمح لنفسه برفع راتبه إلى خمسة آلاف دولار، ولكنه في المُقابل يُعرقل إقرار حقوقٍ لمُتعاقدين مع وزارة الإعلام، أمضَوا في الخدمة نَيّفا وأربعين عاما وما يزالون؟

كما وأن “الوكالة الوطنية للاعلام” لطالما كانت تُعنى بنشر أخبار الجميع، بمن فيهم النواب العشرة، من دون تمييز ولا تحيُز… ونقول هذا الكلام من باب تأكيد قيامنا بواجبنا على رغم الظروف القاهرة، فهل نُكافأ بهذا النحو؟

ما ذنب مُوظفي وزارة الإعلام لانقضاض النواب العشرة على حُقوقهم على هذا النحو؟ ولماذا يُزجون في الكيدية السياسية، لحجب حُقوقهم؟

هُم لم يُعلنوا الإضراب يوما، بل يعملون على مدار الأسبوع…

لم يُهمشوا رأيا، ولم يحجبوا خبرا، ولم ينحازوا في عملهم الإعلامي إلا لوطنيتهم الصرفة…

لم يُحجموا عن نشر خبر يعود لأي نائب، ولم يتوانوا عن العمل بمهنية عالية، حتى باتت “الوكالة الوطنية للاعلام المرجع الأول للأخبار لدى وسائل الإعلام المحلية، وحتى النواب الذين كانوا يعتصمون في المجلس النيابي للمطالبة بانتخاب رئيس للجمهورية كُنا نواكب تحركهم كونه تعبيرا عن تمسكهم بالدستور، فهل نُكافأُ على هذا النحو؟

غدا، عندما يقول المجلس الدستوري كلمته، سأُهدي النصر بنيل الحُقوق إلى روح زميلَين رمزَين: الأول سكت قلبه على أدراج وزارة الإعلام، إذ لم يعد يقوى على الصمود، بعدما تهدم منزله في الضاحية الجنوبية لبيروت مرتَين خلال حروب العدو الإسرائيلي على لُبنان… والثاني حَلُمَ يوما بحياة هانئة في منزله الجنوبي، عندما يبلُغ السِّنّ، فغادر وزارة الإعلام بلا تعويض يسمح له بتحقيق حُلمه، وبلا منزل جنوبي مُتاخم لفلسطين المحتلة، دكَّه العدو.

_____________________

أخبارنا عبر “فيسبوك” أيضًا: “النشرة الأكاديمية”، و2 – Rizo NEWS، وعبر نظام الـ PDF بواسطة خد

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …