اللعبة الصفرية: كيف حوّل “حزب الله” الأحزاب اللبنانية إلى بيادق في مشروعه؟

لم يكتفِ حزب الله، منذ صعوده كقوة عسكرية وسياسية وازنة، بالتحول إلى “دولة داخل الدولة” فحسب، بل مارس عملية “إعادة هندسة” شاملة للمشهد الحزبي اللبناني بأكمله. فمن خلال فرض معادلاته الخاصة، نجح الحزب في تحويل القوى السياسية اللبنانية، سواء كانت خصوماً أو حلفاء، إلى أطراف عاجزة عن التأثير في القرار الاستراتيجي، مُفرغاً الحياة السياسية من جوهرها التنافسي ومستبدلاً إياها بمنطق “قوة الأمر الواقع”.

شلل المعارضة وتهميش السيادة
لقد اعتمد حزب الله استراتيجية “الانقضاض الصامت” على الحياة السياسية، حيث قام بتعطيل المؤسسات الدستورية—عبر الفراغ الرئاسي وشلل الحكومة—لتحييد أي صوت معارض قادر على التأثير في القرار الاستراتيجي للدولة. وفي هذا السياق، تبرز “القوات اللبنانية” كطرف يحاول التصدي لنفوذ الحزب عبر الدفاع عن مؤسسات الدولة، إذ تطرح نفسها كـ “قوة الدولة المقاوِمة” التي تسعى لاستعادة السيادة المصادرة. وبدلاً من مجرد المعارضة السياسية، انتقلت القوات إلى المطالبة بـ “خطة زمنية لسحب سلاح الحزب”، بل ووضع وزراؤها جداول زمنية للبدء بذلك.
في المقابل، يتصرف حزب الله والبيئة الإعلامية المحسوبة عليه (مثل صحيفة الأخبار) لمواجهة هذا الطرح عبر وسم القوات اللبنانية بـ “التسلح” أو “افتعال الأحداث الأمنية”، وذلك لخلق “ذريعة داخلية” تبرر وجود سلاحه الخاص، ومحاولة وضع الخصم في موقع “الفاعل غير النظامي المسلح” أيضاً. وفي خضم هذا السجال، يبرز الصحفي غسان سعود كصوت نقدي يحذر من هذا الانقسام الحاد، حيث يقرع “جرس الإنذار” من التداعيات الأمنية والسياسية لهذا الصراع، متهماً القوات اللبنانية بـ “النفاق” في تعاطيها مع الأحداث، ومحذراً من أن هذه التجاذبات السياسية الحادة تمزق النسيج الاجتماعي وتزيد من تعقيد الأزمات المعيشية.

نموذج التحالفات: التيار الوطني الحر كحالة دراسية للهيمنة والاستنزاف
يكشف المسار السياسي اللبناني كيف استغل حزب الله حلفاءه سياسياً لتحقيق اختراقات وطنية؛ حيث يبرز “التيار الوطني الحر” كأوضح نموذج لهذا المسار. فعبر “ورقة تفاهم مار مخايل” (2006)، وفّر التيار غطاءً مسيحياً ووطنياً ثميناً للحزب، مما ساعده على الخروج من إطاره “الشيعي/الإسلامي” نحو فضاء وطني أوسع، وشرعن سلاحه تحت مسمى “المقاومة”.

لكن هذه الشراكة أثبتت هشاشتها مع مرور الوقت، إذ أدى التحالف إلى انكشاف التيار وانقسامه الداخلي. فبدلاً من أن تكون علاقة تكافلية، تحولت إلى حالة استنزاف سياسي؛ حيث اتُّهمت قيادة التيار بـ “شخصنة” الحزب وتشتيته، وانتهى الأمر بقطاعات داخل التيار—والمراقبين—إلى الاعتقاد بأن الحزب قد “أكل التيار” واستنفد غطاءه السياسي لتحصين مشروعه الخاص، ليترك التيار بعد ذلك مأزوماً ومنقسماً، مبرهناً بذلك أن الحزب لا يقيم شراكات متكافئة، بل يبحث دائماً عن “أغطية” سياسية يستهلكها ثم يتركها أمام أزماتها.

استيعاب الحلفاء و”إلحاقهم” بالمشروع
لم يكن التيار الوطني الحر وحده، بل نجح الحزب في استيعاب قوى سياسية أخرى، محولاً إياها إلى مجرد “أدوات” أو “أغطية” سياسية لمشروعه. هذا الاستيعاب أدى إلى تفكيك الهوية المستقلة لهذه الأحزاب، وجعل قراراتها رهينة لأجندة إقليمية تتجاوز حدود الوطن. وبذلك، فقد الحلفاء قدرتهم على ممارسة أي دور وطني مستقل، وأصبحوا جزءاً لا يتجزأ من منظومة الحزب، مما أدى إلى تآكل مفهوم “التحالفات السياسية” القائمة على التوافق، واستبدالها بعلاقة تبعية مطلقة.

الشرعية الأدائية وتفتيت الولاء
أخطر ما قام به الحزب هو منافسته للأحزاب التقليدية في عقر دارها: “الولاء الشعبي”. فمن خلال شبكته الواسعة من المؤسسات الخدمية والإغاثية، استطاع الحزب أن يبني “شرعية قائمة على الأداء” تتفوق على ما تقدمه الدولة أو الأحزاب التقليدية. لقد تحول الولاء من الولاء للأحزاب الوطنية أو الطائفية القائمة على الانتماء العام، إلى ولاء لـ “المنظومة الخدمية” التابعة للحزب. هذا التفتيت للولاءات الوطنية أدى إلى تآكل القاعدة الشعبية للأحزاب التقليدية، التي وجدت نفسها غير قادرة على المنافسة في “سوق الخدمات” التي يسيطر عليها الحزب، مما جعل المجتمع أكثر اعتماداً عليه كمرجعية وحيدة للحماية والرعاية.

 
إن هيمنة حزب الله لم تؤدِ فقط إلى إضعاف الدولة اللبنانية، بل أدت إلى تجويف الحياة الحزبية اللبنانية من قدرتها على صناعة القرار الوطني. لقد بات المشهد الحزبي في لبنان—بما فيه القوى التي كانت حليفة للحزب أو المعارضة له—أسيراً لواقع تفرض فيه “الدولة الموازية” شروطها. لقد أثبتت التجربة، كما في حالة التيار الوطني الحر أو صراعات القوات اللبنانية، أن كل من راهن على شراكة أو مواجهة تقليدية مع هذا النظام انتهى به المطاف مستنزفاً سياسياً؛ فالحزب لا يعترف بشراكة، بل يفرض واقعاً تهيمن فيه “قوة الأمر الواقع” على الجميع، مُحولاً الأحزاب إلى لاعبين في ساحة مرسومة الخطوط، لا تملك من أمرها سوى انتظار نتائج المعادلة التي يحددها الحزب في الميدان أو في دهاليز السياسة الإقليمية.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …