من «وساطة عُمان» إلى «اتفاق مكة»: آفاق إعادة هندسة الأمن الإقليمي بين السعودية وإيران

في ظل التحول الاستراتيجي للسياسة الخارجية السعودية من مرحلة «عاصفة الحزم» إلى «دبلوماسية الردع»، يبرز «اتفاق مكة» (7 أغسطس 2026) كحجر زاوية جديد لهندسة الأمن الإقليمي. هذا الاتفاق، الذي يجمع الرياض بأنقرة وإسلام آباد، لم يأتِ ليعزل أحداً، بل ليؤسس لإطار أمني مرن ومرتكز على «الدفاع الجماعي»، يفتح الأبواب أمام تحول جوهري في طبيعة المفاوضات مع إيران؛ حيث يتم الانتقال من نموذج «الوساطة العُمانية» التقليدي – القائم على القنوات الثنائية الهشة – إلى نموذج «إطار أمني إقليمي شامل» يمتلك أدوات الردع والمصالح المشتركة.

«اتفاق مكة» كمنصة للتحول الإقليمي

يتمتع «اتفاق مكة» بمرونة هيكلية تتيح له التطور من «تحالف دفاعي ثلاثي» إلى مظلة إسلامية إقليمية. وتكمن قوة هذا التحول في دمج عُمان كعضو فاعل ومحوري؛ فبدلاً من أن تظل مسقط وسيطاً منفرداً في بيئة تفتقر لأدوات الحسم، تصبح عُمان شريكاً في إدارة الدفة الأمنية ضمن إطار جماعي يضم قوى إقليمية كبرى. هذا الدمج يعزز من مصداقية التهدئة، ويحول عُمان من طرف يسعى لتقريب وجهات النظر إلى طرف ضامن في هيكل أمني أوسع.

وعلى الجانب الآخر، يفتح الاتفاق باباً استراتيجياً لإيران. إن دعوة طهران للانضمام كـ«مراقب» أولاً، ثم كعضو كامل لاحقاً، تُخرج الصراع من إطار «المواجهة بين محورين» إلى «العمل الجماعي لإدارة المصالح». إن الرسالة السعودية هنا واضحة: «اتفاق مكة ليس تحالفاً ضدك، بل إطار أمني يحمي الملاحة في هرمز والبحر الأحمر ويدعم الاستقرار الاقتصادي»؛ وهو ما يجعل من الانضمام خياراً عقلانياً لإيران، خاصة مع تراجع نفوذ الوكلاء وتزايد الرغبة في الخروج من العزلة الاقتصادية.

سيناريوهات التهدئة والمخاطر

بناءً على تحليل الفرص والتهديدات (SWOT)، يمكن رسم مسارات مستقبلية لهذا التوجه:

  1. اتفاق مكة الموسع (الاحتمال الأرجح 45-55%): حيث تُدمج عُمان وتدخل إيران كـ«مراقب»، مما يمهد لهدنة مستدامة في اليمن وتنسيق أمني في المضائق البحرية، دون الحاجة لاندماج كامل وفوري قد يصطدم بعقبات الثقة.

  2. التسوية الشاملة (30-40%): انضمام إيران كعضو كامل، مما يؤدي إلى طي ملفات النزاع (لبنان، سوريا، العراق، اليمن) ضمن آليات الاتفاق، وهو السيناريو الذي سيعزز رؤية 2030 بأقصى درجات الاستقرار.

  3. انهيار المسار (10-20%): تصعيد مفاجئ مدفوع برفض إيران أو تدخلات خارجية، وهو سيناريو يهدد بنسف مسارات التهدئة والعودة إلى مربع الحرب بالوكالة.

الاستراتيجية السعودية: الموازنة بين «الردع» و«القوة الناعمة»

تكمن عبقرية الاستراتيجية السعودية الحالية في قدرتها على الدمج بين مسارين: الأول هو بناء تحالفات صلبة (اتفاق مكة) لرفع تكلفة أي عدوان، والثاني هو توسيع النفوذ عبر «القوة الناعمة» (الاستثمارات في شمال إفريقيا وصناديق الذهب). هذا المزيج يمنح الرياض القدرة على توظيف وساطات متنوعة (الصين، قطر، العراق، عُمان) ضمن إطار «اتفاق مكة»، مما يرفع من تكلفة خروج أي طرف عن مسار التسوية.

خلاصة الرؤية

إن الانتقال من «وساطة عُمان» إلى «اتفاق مكة» كقلب للمفاوضات، يعكس وعياً سعودياً بأن السلام في المنطقة لا يضمنه «النوايا الحسنة» للوسطاء فحسب، بل تضمنه شبكة من المصالح المشتركة وأطر الردع الجماعي. إن نجاح السعودية في تحويل الاتفاق إلى إطار أمني جامع، يمنحها استقلالية في القرار، ويحمي مكتسباتها التنموية، ويجعل من إيران طرفاً في منظومة استقرار إقليمية بدلاً من أن تكون خصماً في ساحات صراع مستنزفة.

في المحصلة، تظل «دبلوماسية الردع» السعودية أكثر مرونة وواقعية؛ فهي لا تقصي أحداً، بل تعيد صياغة شروط اللعبة السياسية في المنطقة، حيث تصبح التنمية والأمن هما البوصلة الحقيقية للتحالفات القادمة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …