تفكيك هيمنة كبريات شركات المحاماة: نحو نموذج جديد لعدالة المنافسة في قطاع الخدمات القانونية

لطالما خضع قطاع الخدمات القانونية لنقاشات متزايدة حول هيمنة “شركات المحاماة الكبرى”، غير أن أياً من الدول لم تلجأ يوماً إلى خيار “تفكيك الاحتكار” التقليدي الذي شهدناه في قطاعات أخرى كالاتصالات والطاقة، حيث يتم تقسيم الشركات إلى كيانات مستقلة. إن هذا النموذج الكلاسيكي، الذي يستهدف الهيكل المؤسسي للشركة، يبدو غائباً عن الممارسة القانونية، مما يدفعنا إلى التساؤل عن وجود وسيلة أخرى لتقويض الهيمنة دون اللجوء إلى التفكيك القسري. والحقيقة أن المحاكم والهيئات التنظيمية تمتلك بالفعل أدوات غير مباشرة لتشكيل ملامح هذا السوق، عبر قواعد تضارب المصالح، وطلبات إقصاء المحامين، والقيود التي تفرضها في قضايا المنافسة، والتي تعمل كحارس بوابة للسوق يمنع تمركز القوة المطلقة في يد جهة واحدة.

ومع ذلك، يجادل الأكاديميون بأن القواعد الحالية، وخاصة “تنازلات تضارب المصالح المسبقة”، قد تحولت إلى درع يحمي الشركات الكبرى؛ إذ تسمح لها بالاستمرار في تمثيل عملاء متعددين في قضايا متشابكة، مما يخلق “خندقاً دفاعياً” يحمي هذه الشركات من مزاحمة المنافسين الأصغر. هذا الواقع عزز من ظهور ما يمكن تسميته بـ “المركزيات القانونية”، حيث تتركز الخبرة والسمعة والنفوذ في دائرة مغلقة من المكاتب العملاقة التي لا تستمد سطوتها من حجمها فحسب، بل من قدرتها الفريدة على توجيه “الاجتهادات القضائية” وتطويع التغيرات في ميزان التشريع لصالح موكليها، مما جعل هؤلاء الموكلين — خاصة المؤسسات الكبرى — يشعرون بأنهم أسرى لهذه المكاتب لضمان تحقيق النتائج.

تتفاقم هذه الديناميكيات عندما نأخذ في الاعتبار الدور المحوري للسلطات القضائية العليا والمجالس القضائية؛ فالمكاتب المهيمنة بنت نجاحاتها عبر عقود على شبكات علاقات متجذرة مع دوائر صنع القرار وعلى استقراء دقيق للتوجهات القضائية. وهنا تأتي التغييرات الجوهرية في تشكيلات مجالس القضاء الأعلى، أو التحركات الدورية في التشكيلات القضائية (حركة القضاة)، لتعمل كـ “زلزال تنظيمي” يزعزع استقرار هذه الإمبراطوريات؛ فالمكاتب التي بنت سمعتها على “الاجتهاد الانتقائي” أو القرب من دوائر النفوذ تجد نفسها فجأة أمام واقع جديد. إن هذه التغيرات تؤدي إلى تفكيك المركزيات التي تقوم عليها هذه المكاتب، وتحرمها من “الوصول التفضيلي” للمعلومات، مما يفرض إعادة توزيع للأدوار في السوق القانوني ويجبر السوق على العودة إلى معايير الكفاءة المهنية الصرفة بدلاً من المحسوبية.

إن تفكيك هذه المركزيات ليس مجرد إجراء إداري، بل هو ضرورة لإعادة تعريف مفهوم “الاحتكار” في الخدمات القانونية؛ فبكسر هيمنة المكاتب الكبرى على مسارات الاجتهاد القضائي وتغيير ميزان القوى التشريعي، يجد الموكلون أنفسهم أمام خيارات أكثر تنوعاً وشفافية، وتتحرر العلاقة بين الموكل والمحامي من قيود “الولاء القسري”. ومن هذا المنطلق، تبرز رؤية مختلفة لـ “تفكيك احتكار” مهنة المحاماة؛ فلا حاجة لهدم الشركات على الورق، بل يكفي ضبط الممارسة العملية عبر “تفكيك القوة” من خلال أدوات قائمة على القضايا. إن تحويل “الإقصاء” من إجراء أخلاقي فردي إلى عقوبة تنافسية، بالتزامن مع دور التشكيلات القضائية الجديدة في كسر احتكار النفوذ، سيغير من قواعد اللعبة؛ حيث تصبح القدرة على تولي القضايا أصلاً تنافسياً منظماً، وتصبح “سمعة المكتب” مقترنة بمهنيته وكفاءته القانونية لا بصلاته أو سيطرته على ميزان العدالة.

وبطبيعة الحال، تواجه هذه التوجهات تحديات جوهرية، إذ تتطلب جسراً قانونياً يربط بين الأخلاقيات المهنية وسياسات المنافسة، كما أن صعوبة تعريف “الهيمنة” في سوق قانونية معقدة تجعل من صياغة تشريعات عادلة أمراً بالغ الدقة. ورغم ذلك، تظل هذه المقاربة مساراً واقعياً؛ فهي لا تهدف إلى ضرب كيان المهنة، بل تسعى إلى إيجاد توازن يمنع احتكار الكفاءات والنفوذ في قضايا كبرى تؤثر على مفاصل الاقتصاد والمجتمع. إن مستقبل تنظيم كبريات شركات المحاماة لا يكمن في مراسيم الحل والتفكيك، بل في ذكاء الإدارة التنظيمية التي تحول “القضية” من ملف محتكر إلى ساحة للتنافس العادل، مؤكدة أن الاجتهاد القضائي والتشريع يجب أن يظلا ملكية عامة للمهنة، لا أدوات في يد فئة محدودة تسعى لترسيخ نفوذها عبر التحكم في ميزان العدالة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

تتويجاً لمسيرة الشفافية: «غربال» تطلق أضخم أرشيف رقمي للجريدة الرسمية اللبنانية كحجر زاوية في صرح المساءلة الوطنية

في لحظة فارقة تزامنت مع الاحتفاء باليوم العالمي للحق في الوصول إلى المعلومات، دشّنت مبادرة …