التفاح اللبناني: بين “اقتصاد الهدر” و”أزمات الدولة المخطوفة”

لا تزال أزمة التفاح في الأرياف اللبنانية تعكس خللاً بنيوياً عميقاً في هيكل الدولة اللبنانية، حيث تحولت هذه الثمرة الجبلية من رمز للغنى الريفي إلى شاهد على ترهل المؤسسات. إن معضلة التفاح لا تُختزل في تحديات المناخ أو كلف النقل، بل في واقع سياسي يهمش القطاعات الإنتاجية لصالح أجندات لا تعني المزارع في شيء. وفي قلب هذا المشهد، تبرز وزارة الزراعة ككيان “مشلول” عملياً، إذ لا تتعدى ميزانيتها 0.1% من الموازنة العامة، وهو رقم يعكس قراراً سياسياً بتغييب الدولة عن دورها التنظيمي والرقابي. هذا التغييب ليس عفوياً، بل هو جزء من سياسة “غض الطرف” الممنهجة التي تخدم مآرب سلطوية؛ حيث تُترك الوزارة كواجهة هامشية، بينما تتركز السيطرة الفعلية في مسارات اقتصادية موازية تخدم أجندات “الاقتصاد المقاوم” التي يفرضها “حزب الله”. لقد تم توظيف مرافق الدولة، بما فيها قطاع الزراعة والجمارك والمرافئ، كغطاء لتسهيل عمليات لا علاقة لها بالإنتاج الوطني، بما في ذلك تخزين مواد خطرة، كنيترات الأمونيوم التي فجرت مرفأ بيروت، في ظل اقتصاد مشبوه يعتمد على التهريب وتفريغ الدولة من سيادتها، مما أدى إلى انهيار كامل لمرتكزات الاقتصاد الرسمي.

في خضم هذا التدهور، يجد المزارع اللبناني نفسه وحيداً في مواجهة حلقة حصار إقليمية، حيث يلعب الجانب السوري دوراً ضاغطاً مستغلاً ضعف الدولة اللبنانية على طاولة المفاوضات. لقد تحول المزارع اللبناني إلى طرف خاسر في معادلة التهريب؛ فبينما تُفتح الحدود أمام السلع المهربة التي تضرب الإنتاج المحلي وتجعله غير قادر على المنافسة، يفرض الجانب السوري شروطه على التصدير اللبناني، مستغلاً حاجة لبنان للممر البري. هذا الابتزاز السياسي والاقتصادي يجعل لبنان في وضع “المتلقي” للسياسات السورية، حيث يُستخدم ضعف الموقف اللبناني لفرض قيود، أو إغراق السوق اللبنانية بمنتجات زراعية سورية بأسعار بخسة، مما يدفع المزارع اللبناني إلى حافة الإفلاس. واللافت أن هذه الأزمة تدار في كثير من جوانبها من قبل مراكز نفوذ تعيش على “التهريب المتبادل”، مما يحول “المقاومة” المزعومة إلى أداة تدمير للقطاعات الإنتاجية.

وعلى صعيد موازٍ، باتت منظمات الأمم المتحدة والجهات المانحة الدولية تتعامل مع هذا الواقع بسياسة “البراغماتية الصامتة”. ففي ظل هيمنة “الاقتصاد المقاوم” الذي يقتات على موارد الدولة ويساهم في تقليص ميزانيات الوزارات الخدماتية، أصبحت هذه المنظمات تتبنى قناعة غير معلنة مفادها أن الكيانات التي تدعي امتلاك قدرات عسكرية واقتصادية موازية للدولة عليها أن تتحمل مسؤولية حل مشاكلها بنفسها. فمن وجهة نظر المانحين، لا يمكن تقديم الدعم الفني، أو حملات التوعية، أو الإرشاد الزراعي لدولةٍ تُصادر فيها السلطةُ الفعليةُ مواردَ الوزارات وتوظفها لخدمة أجندات حزبية، بل يرى المجتمع الدولي أن على القوى المسيطرة أن تحل معضلاتها البنيوية أولاً قبل أن تطالب المجتمع الدولي بتقديم “المسكنات” لقطاعاتٍ هي من ساهمت في تدميرها.

في ظل هذا الواقع المأساوي، تصبح الحاجة إلى تطبيق “النموذج الحلزوني” (Quadruple Helix) ضرورة وجودية لا ترفاً أكاديمياً. إن إنقاذ القطاع يتطلب تكاملاً عابراً لمحاولات الهيمنة؛ حيث يجب على الجامعات توفير الغطاء العلمي والتقني للإنتاج لتعويض غياب إرشاد وزارة الزراعة، وعلى القطاع الخاص تأمين قنوات تسويق لا تمر بالضرورة عبر المعابر الخاضعة للابتزاز، وعلى المجتمع المدني تعزيز التكاتف التعاوني لتقليل الاعتماد على الدولة المهترئة. إن تجارب مثل تعاونية “الأطايب” في كفردبيان تكتسب اليوم بعداً سياسياً وتنموياً في آن واحد؛ فهي ليست مجرد مبادرات لتصريف المربى، بل هي محاولات لانتزاع السيادة على الأرض من أيدي منظومة تودّ إبقاء المزارع تحت رحمة المساعدات الموسمية أو وسطاء الأمر الواقع. إن تحويل التفاح إلى منتجات مصنعة هو شكل من أشكال “المقاومة الحقيقية” التي تحفظ كرامة المزارع وتمنع هجرته، عبر خلق سلسلة قيمة مستقلة عن منظومة الفساد والابتزاز الحدودي.

إن إعادة هندسة قطاع التفاح وفق النموذج الحلزوني في لبنان هي معركة لاستعادة القرار الاقتصادي. إننا أمام خيارين: إما الاستمرار في نهج التبعية لمنظومات الفساد التي تستخدم موارد الدولة لأغراض أمنية وميليشياوية وتخضع للابتزاز الإقليمي، أو بناء اقتصاد ريفي عصري يتحرر من قيود الميزانيات المبتورة والرقابة الغائبة. إن إنقاذ شجرة التفاح اللبنانية اليوم هو فعل سيادي بامتياز، يبدأ من بستان المزارع الصغير الذي يرفض أن يكون وقوداً لسياسات التهريب، ويمر عبر مختبرات العلم التي تطور منتجاً عالمياً، وينتهي بمنتجٍ يعلن للعالم أن إرادة اللبنانيين في بناء حياتهم لا يمكن أن تُهدم في مرفأ أو تُخنق في دهاليز الفساد والابتزاز الحدودي. إنها رحلة تحول من “الإنتاج تحت رحمة الابتزاز” إلى “الإنتاج بسيادة العلم والابتكار”.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …