المعهد الألماني للغباء

في حيٍ يقطنه “المنطق المقلوب”، قررت سعاد أن تضع حداً لهواجسها عبر عملية “ترميم” سريعة في عيادة الدكتور “عنتر”، الجراح الذي لا يعترف بالطب بقدر اعترافه بالربح السريع. بـ 100 دولار فقط –وهو مبلغ زهيد لا يكفي حتى لإصلاح إطار سيارة– خرجت سعاد وهي تشعر بأنها باتت تحمل “صك براءة” مصنوعاً من خيوط جراحية متهالكة. ودّعها الدكتور بتحذيرٍ ينم عن خبرته في الغش: “إياكِ والحركة المفاجئة، فأي قفزة قد تعيد النظام إلى فوضاه”.

لكن القدر، وبحس فكاهي لا يرحم، دفع بسعاد لركوب دراجة هوائية في لحظة طيش. لم تكد تقطع أمتاراً قليلة حتى ارتطمت بمطبٍ صناعي قاسٍ، وفي تلك اللحظة، شعرت بانفراجةٍ مفاجئة في “التحصينات” التي كلفتها ثروتها المتواضعة. لم تكن تعلم أن زوجها “فارس”، الرجل الذي يمتلك خيالاً درامياً يتفوق على كتّاب الروايات البوليسية، كان يراقب المشهد من شرفته، وقد رصد بـ”عينه الخبيرة” ارتداد جسدها على مقعد الدراجة، ليخلص إلى استنتاجه العبقري: “الدراجة هي الأداة التي كشفت المستور”.

من هنا، بدأت المأساة الحقيقية، لا لسعاد فحسب، بل لشقيقة فارس الصغرى. كانت تلك الفتاة ذات يوم مشروعاً لعقلٍ استثنائي، تتذكر أيام دراستها حيث كانت الأولى على صفها، تملك معدلاً يفتح لها أبواب الجامعات المرموقة، وكان حلمها الراسخ أن تدرس “الاقتصاد” وتدمجه بـ “القانون”، لتفهم كيف تُدار الدول وكيف تُصان الحقوق. كانت تحمل في رأسها خططاً لإنقاذ الاقتصاد الوطني من الفساد، لكن أخاها “فارس”، الذي أصابه لوثة “المعهد الألماني للغباء”، اجتاح حياتها كما يجتاح الطوفان قريةً وديعة.

لقد تجمهر فارس مع هؤلاء المهووسين في معامل لا ناقة لهم فيها ولا جمل بالعائلات أو بحقوق الإنسان، ليحولوا “الشرف” إلى تجارةٍ رخيصة. لم يكتفِ فارس بهوسه، بل جعل من شقيقته الضحية الأولى لمنظومة مصالحهم؛ فباع مستقبلها المشرق، وأحلامها التي كانت ستغير بها وجه المجتمع، ليرضي هواجسه ويصرف أمواله على زوجةٍ تزوجت قبله أربع مرات. لقد تحول “شرفها” المزعوم في نظر فارس إلى مقصلةٍ نحرت طموحات شقيقته، وحبست ذكاءها بين جدران الخوف.

كان فارس كلما داهمه الشك، يعيدها إلى “نقطة الصفر”؛ يسحبها إلى معمله الخاص، ذلك العالم الذي يشبه “كوخ دعارة” مقنّع، حيث تُستخدم خيوط الغشاء لتقطيب رؤوس الرجال المهووسين بالسيطرة. صار مستوى غبائه هو الجدران التي تحبسها، ذلك السجن الذي لم يكن في جوهره إلا تجسيداً لفقر عقله الذي حطم طموحها، وقضى على مهاراتها في الاقتصاد والقانون، فاستبدلها بالخوف والقيود.

مرت عشرون عاماً ثقيلة كأنها دهور، سُلب فيها من الشقيقة أجمل سنوات عمرها، حتى تلاشت “الخرافة” من عقل فارس أخيراً مع تقدمه في العمر، حين أدرك –بتأخيرٍ فادح– أن الغشاء ليس “زر إغلاق” في قميصٍ قديم، وأن العذرية لا تُفقد بمجرد ركوب دراجة هوائية.

في لحظة صفاءٍ قاتلة، نظر فارس إلى أخته التي شاخت قبل أوانها، والتي لم يعد في عينيها بريق الأحلام، بل انطفأت شعلة الاقتصاد والقانون التي كانت تحملها، فشعر بثقلِ ذنبٍ لا يُغتفر. أدرك حينها أن غباءه لم يكن مجرد وجهة نظر، بل كان “المطب الحقيقي” الذي حطم حياة إنسانة بريئة. وقف أمامها، ليس كأخٍ حامٍ كما كان يظن، بل كسجّانٍ اكتشف بعد فوات الأوان أن سجنه كان فارغاً، وأن كل تلك السنين التي سلبها منها كانت ثمناً باهظاً لجهلٍ أعمى، حوّل حياتها إلى حكايةٍ مريرة عن ضحيةٍ ذُبحت على مذبح “الجهل الذكوري” تحت مسمى الشرف، بينما كان الشرف الحقيقي يكمن في ذلك العقل الذي قتله فارس بيده.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …