«استراتيجية الضغط والتنسيق»: قراءة في أجندة ترامب لإعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر بوابة الإمارات

تأتي زيارة مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس ترامب، إلى أبوظبي ودبي في لحظة مفصلية تعيد فيها الإدارة الأميركية صياغة قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط، حيث تعكس تحركاته رؤية استراتيجية تقوم على “الدبلوماسية القسرية” وتثبيت الحلفاء الإقليميين كركيزة أساسية للأمن الدولي. إن هذا الحراك الدبلوماسي المكوكي يرسخ قناعة أميركية بأن الإمارات ليست مجرد شريك تجاري، بل هي محور استراتيجي في معادلة الاستقرار الخليجي، وهو ما تجلى بوضوح في اللقاءات عالية المستوى التي أجراها بولس مع المسؤولين الإماراتيين للتنسيق حول الملفات الساخنة.

وفي قلب هذه الأجندة، يبرز الملف الإيراني كأولوية قصوى، حيث يعتمد ترامب استراتيجية “الضغط من أجل التسوية”؛ فالتصريحات الصادرة عن بولس بشأن إنهاء الحرب مع إيران قريباً لا تعني بالضرورة توقف الصراع، بل تشير إلى توجه لفرض واقع جديد ينهي حالة “عدم اليقين” التي ترهق الاقتصاد العالمي وتؤثر على حركة الملاحة. ويتداخل هذا التوجه مع اعتبار البحر الأحمر “خطاً أحمر” أميركياً، حيث كشفت الزيارة عن تحول من الدور الدفاعي السلبي إلى عسكرة الممر المائي عبر خطط تنسيق يومية ومشتركة مع الشركاء الإقليميين، وهو ما يعكس رغبة واشنطن في تقاسم الأعباء الأمنية لضمان تدفق سلاسل الإمداد العالمية.

أما على الصعيد السوداني، فقد حملت رسائل بولس موقفاً حازماً يقطع مع مرحلة التوازنات التقليدية، إذ أعلنت واشنطن صراحة أن لا مستقبل سياسي لقادة الجيش أو قوات الدعم السريع، داعيةً إلى مرحلة انتقالية مدنية، مع التركيز على ملاحقة شبكات التمويل العابرة للحدود التي تغذي الحرب. إن هذا النهج يعكس رغبة إدارة ترامب في “تفكيك” الأزمات التي تعيق تفرغها للملفات الدولية الأكبر، معتمدة على النموذج الإماراتي في الاستقرار كنموذج إقليمي يُحتذى به.

وخلاصة القول، فإن تحركات مسعد بولس في المنطقة تشير إلى مرحلة “إعادة ضبط المصنع” للسياسة الخارجية الأميركية، حيث تحل الواقعية الصارمة محل الشعارات الدبلوماسية التقليدية، مع تحويل مركز الثقل في إدارة الأزمات إلى شراكات إقليمية قوية تضمن حماية المصالح الأميركية وتسمح لواشنطن بضبط إيقاع المنطقة بما يخدم استراتيجيتها العالمية الجديدة، بعيداً عن التورط في نزاعات طويلة الأمد لا طائل منها.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …