التربية” المهنية: حين تتحول شبكة العلاقات إلى فخّ للمطحنة

نادر، ينعاد عليك

اما لمرسل اللطشة  : ربّيني لا تعرف اي نوع “صراعات” كنا نتحاور بهم مع حزب الله .. وبعضهم مسجل في الجامعة الاميركية ! فاصمت

في الوسط الصحفي، يتردد مصطلح “التربية” بمدلولاته السامة؛ حيث لا يُقصد بها صقل المهارات، بل تطويع الصحفي ليكون جزءاً من “القطيع” المهني. هذه التربية هي في جوهرها “تعذيب مهني”؛ تعذيب لا يسحب معلومة ولا يؤمن مصلحة عامة، بل هو ممارسة استعلائية تهدف إلى كسر الإرادة، وإجبار الصحفي على التسليم بـ “عرف” لا يمت للعمل بصلة.

فخ الاتكال على “الشبكة”
يقع الكثيرون في فخ الاعتقاد بأن قوة الصحفي تكمن في “شبكة علاقاته” الاجتماعية. هذا الوهم هو أول خطوة نحو الانحدار. من يبلور عمله بناءً على ما تمليه عليه شبكة الزملاء، سيجد نفسه في حالة من العري المهني التام بمجرد أن تقرر هذه الشبكة “قطعه”. تلك العلاقات التي كان يظنها سنداً، ستتحول حينها إلى سوط، ليس لأنه أخطأ مهنياً، بل لأنه خرج عن نص المصالح. إن من يربط وجوده بالوسط، لا بالمهنة، هو أول من سيُسحق حين تتغير موازين القوى داخل تلك “الشلة”.

علاقات قائمة على “المعلومة” لا “المجاملة”
إن الطريقة الوحيدة للنجاة من هذا الاستنزاف، والسبيل الأوحد لبناء علاقات مهنية صلبة، هي اعتماد “مبدأ المعلومة”. العلاقة الموضوعية هي التي تبدأ من الملف وتنتهي بالملف؛ حيث يكون الصحفي والمصدر (أو الزميل) طرفين في عملية تبادل معرفي لا شخصي. عندما تُبنى العلاقة على تبادل المعلومات والبيانات الموثقة، تتحول “شبكة العلاقات” من قيود إلى أدوات عمل. هنا، لا تعود مطالباً بـ “ترضية” أحد أو الخضوع لطقوس الولاء، لأن قيمتك تكمن في ما تمتلكه من دقة، لا في ما تملكه من “حظوة” لدى فلان أو علان.

حين تتلوث العلاقات بالمصلحة (المطحنة)
الخطر الحقيقي يبدأ حين تتجاوز العلاقات الشخصية حدود “المناقشة المهنية” لتختلط بخيوط التمويلات المشبوهة، والرشاوى المقنعة، والمحسوبيات السياسية، والتغطية على جرائم التهرب الضريبي أو الصفقات الجانبية.
هنا، يدخل الصحفي “المطحنة”. فعندما تتداخل المصلحة الشخصية مع العمل الصحفي، يفقد الصحفي استقلاليته ويتحول إلى “شريك” في التستر أو الترويج. التورط في هذه الأوحال يعني أنك أصبحت “رهينة”؛ فأي محاولة للتمرد أو القيام بعمل صحفي حقيقي ستُقابل بابتزاز يهدد ليس فقط مهنتك، بل ربما أمنك الشخصي وقانونيتك.

إن هذا التداخل يجعل العلاقة مع الزملاء “تنافساً شريراً”؛ فكل طرف يحاول تأمين حصته من “الكعكة” (سواء كانت أموالاً، أو امتيازات، أو حماية من المساءلة)، مما يحول الوسط الصحفي من ساحة للبحث عن الحقيقة إلى “سوق للنخاسة” المهنية.

خاتمة: من “التابع” إلى “المستقل”
إن التعذيب المهني الذي يمارسه “الزملاء” لإخضاعك لا يُسقط في يدك معلومة واحدة، بل يسلبك أعظم ما تملك: مصداقيتك. الصحفي الذي يبلور عمله عبر علاقات موضوعية، قائمة على التبادل المهني الصرف، هو الوحيد القادر على النجاة من هذه المطحنة.

عليك أن تدرك أن السند الحقيقي للصحفي هو “الملف” الذي يعمل عليه، و”الأمانة” التي يحملها تجاه الجمهور، لا الرضا المزيف لشبكة علاقات تبحث عن مصالحها الخاصة. إن خرجت من هذه المطحنة خاسراً لبعض “العلاقات” ومربحاً لاستقلاليتك، فقد فزت بكل شيء؛ أما إن خسرت استقلاليتك لتبقى ضمن الشبكة، فستكتشف في نهاية المطاف أنك لم تكن يوماً صحفياً، بل كنت مجرد أداة في يد من لا يحترمون إلا المصلحة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …