صحافة القمع: هندسة الوهم وتزييف الوعي

تُعد “صحافة الأنظمة القمعية” واحدة من أخطر أدوات الهندسة الاجتماعية في العصر الحديث؛ فهي لا تكتفي بنقل الخبر أو تزييفه، بل تعمل على إعادة صياغة العقل الجمعي من خلال خلق واقع موازٍ لا صلة له بحقائق الأرض. في هذه المنظومة، تتحول الصحافة من سلطة رابعة للرقابة إلى جهاز أمني لإنتاج الجهل الممنهج، حيث تُستبدل الحقائق بتصورات ذهنية جامدة، وتُفرغ المعاني من جوهرها لتتحول إلى مجرد صدىً لصوت السلطة.

إن جوهر العمل في هذه الصحافة يكمن في “تسطيح الوعي”؛ ففي الوقت الذي يعني فيه العمق الصحفي كشف جذور الأزمات، تكتفي هذه الوسائل بالوقوف عند قشور الأحداث. ولإحكام هذه السيطرة، تعتمد هذه الأنظمة على “الراوي الأفضل”؛ وهو نمط من الصحفيين المأجورين الذين يمتلكون مهارة فائقة في تحويل “الحقيقة” إلى “رواية جرمية”. هؤلاء لا يكتفون بنفي الحقائق، بل يعيدون تأطير القضايا العامة في سياقات شخصية ضيقة، موظفين الصور النمطية للمجتمع لتحويل أي صوت حر إلى “مجرم”، مما يغذي العنف والكراهية.

إن هذه “الرواية الجرمية” في جوهرها هي جريمة شخصية جداً. فكم من مدير قسم واعد، يمتلك رؤية وطموحاً للارتقاء بعمله، وجد نفسه ضحية لرجلٍ لا يملك سوى “رغبته في الصعود على الأشلاء”؟ هؤلاء المعتلون لا يكتفون بمنافسة شريفة، بل يبعثرون مركزك، ويدمرون حياتك الشخصية، ويشوهون سمعتك في “روايات أمنية” مفتعلة فقط ليعتلوا منصبك. هنا، تكتشف أن الجريمة ليست دائماً سياسية كبرى، بل هي “طموح رخيص” مغلف بعباءة الأمن، حيث يُباع الإنسان ويُشترى في سوق النفوذ، وحيث يصبح “سعر الإطاحة بشخص” هو مجرد الترقية القادمة للجلاد.

تتجاوز هذه المنظومة مجرد التضليل لتصل إلى “تحقير الوجود الإنساني المبدع”. فهي منظومة تحقر الشهادات الحرة، وتعمل على تهميش المبدع، بل كسر إرادته وعزله، ولا تقدم له في أفضل الأحوال سوى “قوت يومه” كثمن لصمته. إنها بيئة طاردة لكل نبض حي، حيث يتحول المشهد الإعلامي إلى “مقبرة جماعية للأفكار”؛ فضاءٌ خرساني لا نقاش فيه ولا تبادل للأفكار، بل مجرد “كتاب جاف” ومؤدلج يملي التعليمات، و”حائط مبكى” دائم على أطلال حرية هم من ذبحوها، حيث يُلزم الجميع بالبكاء وفقاً لجدول السلطة، بينما تُغتال الأفكار الحية بصمت.

تفرز هذه المنظومة “نماذج بشرية مشوهة” تكره التغيير نحو الأفضل وتخشى الضوء؛ فهم يستغلون نقاط ضعف الأفراد وأزماتهم الإنسانية ويحولونها إلى “روايات مؤذية”. هؤلاء المأجورون ليسوا سوى “جواسيس” يرتدون ثوب الصحافة، يتحدثون لغة المجتمع بطلاقة مخادعة ليقطعوا أوصاله، ويزرعوا الشك بين أفراده. إنهم يبحثون عن “الهدايا” والمكاسب الصغيرة، كأنهم يعانون جوعاً مزمناً، بينما هم في الحقيقة أدوات قذرة لخرق حرمة المنازل واختراق خصوصية الأهداف التي حُددت لهم مسبقاً من قبل الأجهزة الأمنية.

وفي قلب هذه الممارسات، تبرز “الرواية الأمنية المضللة” كبنية سردية متكاملة تُصمم في غرف المخابرات؛ فهي لا تكتفي بقلب المنطق—فتجعل من الضحية جانيًا ومن الجلاد حاميًا—بل تعمل على “تأميم المفردات” لتصبح الحقيقة الرسمية هي المسطرة الوحيدة للوجود. إنها تحول الموت من فاجعة إنسانية إلى “واقعة أمنية” تحتاج لإدارة، حيث تقوم بتوظيف التقاليد لتبرير القمع، وتستدرج المواطن ليكون شريكًا في ترويج الكذبة، مما يؤدي إلى “الإنكار الجماعي” للواقع.

وما يزيد المشهد عبثية هو التناقض الأخلاقي في لحظات الفقد؛ إذ تنبري هذه الصحافة—بعد أن ساهمت في تكميم الأفواه—للتباكي على “الواجب”. إنها تُقدس “الواجب” (واجب الطاعة، واجب الصمت، واجب التضحية للنظام)، وتجعله في مرتبة أعلى من حياة الإنسان ذاتها. وعندما يقع الموت، نجدها تبحث عن “الواجب في العزاء”؛ تحول الجنازات والمآتم إلى منصات لاستعراض الولاء، وتُقدس الطقوس الشكلية، متجاهلةً أن هذا العزاء ما كان له أن يكون، لولا أن نماذج الحرية قد غُيبت.

إن السؤال الجوهري الذي تغفله هذه الصحافة هو: “من أين أتى الموت؟ ومن الذي صنع رواية الموت هذه؟”. إنهم يقدسون “واجب العزاء” بينما هم القتلة الذين سدّوا آفاق الحياة. إنهم يغلفون الفاجعة برواية أمنية مضللة، في حين أن الموت هنا ليس قدراً محضاً، بل هو نتيجة مباشرة لاستئصال الحرية.

إن هذه المنظومة الفكرية القمعية تقوم على “تخويف المواطن من الحقيقة” عبر حصر العالم في ثنائيات بائسة. وفي نهاية المطاف، نجد أننا أمام آلة لا تصنع مجتمعاً، بل تصنع “مقبرة للأفكار”، حيث يصبح فيها الموت هو الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن للنظام تزييفها، بينما يظل “العزاء” مجرد فصلٍ أخير في مسرحية طويلة من التضليل، يقدسون فيه الطقس ليخفوا فيه الجريمة. إن استعادة المعنى تبدأ من التحرر من هذا الخطاب السطحي، وإعادة الاعتبار للعقل البشري الذي حاولت هذه المنظومة تحجيمه، ليكون قادراً على رؤية الحقيقة بعيداً عن روايات التزييف وتهم التحريض.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …