سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية التي تحصرها في إطار “الطمع”، ليغوص في تشريح شخصية المقامر الذي لا يلعب ليُكسب، بل ليُفرغ صراعاته الوجودية والطفولية عبر اللعب، محولاً إياه إلى دراما تدمير ذاتي تشمل كل من حوله.

الاستباحة النفسية: استحقاقٌ مبني على الوهم

يكشف الكتاب عن جانب مظلم في سيكولوجية المقامر، وهو سلوك “الاستباحة النفسية”. فالمقامر يبدأ باستخدام مقتنيات الآخرين (خاصة الأهل) كأنها ملك خاص له، بدافع “الاستحقاق الوهمي”. هو لا يرى في نفسه “سارقاً”، بل يرى في أفعاله حقاً مكتسباً. هذا الاستحواذ القهري نابع من نرجسية مرضية تجعله يدمج ممتلكات الآخرين ضمن “موارده الخاصة” لتغذية اللعبة. هو يبيع، يدمر، ويستبيح، مع حرص شديد على الإخفاء؛ لأن مواجهة الحقيقة تعني اعترافه بانهيار “عالم الأوهام” الذي يحميه من مواجهة ذاته المهشمة.

هل ينتقل هذا السلوك للأبناء؟

يؤكد الكتاب أن سلوك المقامر لا يتوقف عند حدود ذاته، بل يمتد كـ “عدوى نفسية” للأبناء. فالأب المقامر يغرس في أطفاله خللاً في مفاهيم الملكية والمسؤولية:

  • النمذجة السلوكية: يرى الأبناء “الاستباحة” سلوكاً معتاداً، فيكبرون وهم يفتقرون لاحترام حدود الآخرين، معتقدين أن القوة (أو الحظ) هي معيار الملكية، لا الجهد أو العمل.

  • التفكك العاطفي: يعيش أبناء المقامر في حالة من عدم الاستقرار. هذا الحرمان العاطفي والمادي يولد لديهم “استحقاقاً مشوهاً”، حيث قد يمارسون لاحقاً نفس سلوكيات الاستباحة كنوع من التعويض عن النقص الذي تسبب به غياب (أو فشل) الأب.

البنية السادومازوخية: لغة الألم واللذة

يقوم سلوك المقامر على بنية “سادومازوخية”. فهو يدمر ممتلكات الآخرين وحياتهم كفعل “سادي” ينتقم فيه من العالم الذي أشعره بالضآلة، بينما يمارس “مازوخية” تجاه نفسه بوقوعه في ديون ومواقف مذلة لا تنتهي. إنه يستخدم الآخرين كأدوات في مسرحيته السوداء، محولاً إياهم من بشر إلى “ضحايا” يمنحونه شعوراً مؤقتاً بالسيطرة.

الصراع مع “القدر” والطفولة

يربط الكتاب بين جنون المقامرة وصراعات الطفولة؛ فالمقامر لا يزال ذلك الطفل الذي يبحث عن “القدرة المطلقة”. هو يحاول إجبار القدر أن يبتسم له عبر اللعبة، وعندما يفشل، يحرق الأخضر واليابس (بما في ذلك ممتلكات غيره) ليشعر أنه لا يزال يمتلك “قوة” ما، حتى لو كانت قوة التدمير.

الطريق نحو العلاج

يخلص الكتاب إلى أن العلاج لا يمكن أن يكون سطحياً. فبدون “الاستبصار” وإدراك المقامر للديناميات الخفية التي تدفعه لاستباحة حياة غيره—وكيف يورث هذا الضياع لأبنائه—سيظل حبيس الحلقة المفرغة. العلاج الحقيقي يكمن في مساعدة المقامر على استعادة حدوده النفسية، وفصل ممتلكاته عن ممتلكات الآخرين، وتحمل مسؤولية أفعاله، وقطع “حلقة العدوى” قبل أن تنتقل إلى جيل جديد من الأبناء الذين قد يجدون أنفسهم يكررون نفس المأساة.

كتاب “سيكولوجية المقامر” هو رحلة في أغوار النفس البشرية، يحذرنا من أن المقامرة ليست مجرد خسارة مال، بل هي خسارة للهوية، واستباحة للآخر، وتوريث للضياع، مما يجعل من علاج المقامر قضية اجتماعية وإنسانية تتجاوز حدود طاولة القمار.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

طفيلياتُ العدم: حين ينهشُ الـ ‘لا أحد’ جسدَ الوطن ويُعذّبُ أصحابه

شوفينية … الجريمة المنتصرة في لبنان، يتجول “مكتومو القيد” كأشباحٍ في وطنٍ لا يراهم، يسكنون …