من “دار الصياد” إلى “Fingerprints”: رحلةُ تحويل الأفكار إلى تجارب حيّة.

يمثّل سليم صوايا نموذجاً لرجل إعلام وأعمال يجمع بين الإبداع الإعلاني، وتنظيم الفعاليات، والإنتاج التلفزيوني، ودعم القطاعات السياحية والترفيهية والاستهلاكية في لبنان. فقد بنى مسيرته على قدرة فريدة في تحويل الأفكار إلى حملات إعلانية وفعاليات ومحتوى إبداعي يصل إلى الجمهور ويخلق له تجربة حيّة ومباشرة. إن هذا المسار المهني المتنوع، الذي انطلق من صروح إعلامية عريقة كـ “دار الصياد” وصولاً إلى تأسيس وتطوير منظومة “Fingerprints” و”Fingerprints Entertainment”، يعكس رحلة بحث مستمرة عن التميّز، حيث لم تكن الوظيفة مجرد إدارة للموجود، بل كانت دائماً مساحة للابتكار وتطوير الأدوات الفنية والتقنية. ومن خلال الجمع بين الخبرة الأكاديمية الدولية والرؤية الاستراتيجية في التسويق، استطاع صوايا أن يضع بصمة خاصة في عالم الإعلان والترفيه، محوّلاً كل مشروع يشرف عليه إلى قيمة مضافة تخدم الهوية الثقافية والسياحية والاقتصادية للبنان.

السؤال الأول: كيف انتقلت من عالم الإعلام الرقمي والإعلان والتسويق إلى تنظيم المهرجانات؟ وماذا تغيّر في خبرتك منذ دار الصياد وصولاً إلى Fingerprints؟ 

بدأت هذه المسيرة من خلفية أكاديمية وفنية دولية، حيث درست في جامعة Macerata في إيطاليا، وBUC في بيروت، وRingling School of Art and Design في الولايات المتحدة الأميركية، وتخصصت في التصميم الإعلاني والاخراج التلفزيوني والسينمائي على مستوى الدراسات العليا.

وعندما التحقت بدار الصياد، حملت معي هذه المعرفة الأكاديمية، إلى جانب خبرتي في التقنيات الفنية الحديثة آنذاك، ومنها تقنية الرسم بالـAirbrush، التي كانت نادرة جداً في منطقتنا في تلك المرحلة.

لم يكن دوري مجرد المشاركة في تصميم المطبوعات، بل إدخال مفهوم جديد فني إبداعي، يجمع بين التصميم والتكنولوجيا والدراسات والاخراج السينمائي.

ومع تطوّر وسائل الإعلام، أدركت أن الإعلان لم يعد محصوراً بالصفحات المطبوعة أو الشاشات، بل أصبح تجربة متكاملة يمكن أن يعيشها الجمهور.

من هنا أطلقت في العام ٢٠٠٧ شركتي الأولى: Fingerprints المتخصصة بالإعلان والتسويق وتنظيم المناسبات الخاصة للشركات، و في العام ٢٠٢٥ Fingerprints Entertainment التي تتولى إنتاج وتنظيم المهرجانات الفنية الضخمة، ومنها مهرجانات البيرة والجاز.

بالنسبة إليّ، لم تتغيّر هوية عملي، بل اتّسعت مساحة الإبداع من الصفحة المطبوعة إلى المنصات الرقمية، ومنها إلى مساحات مفتوحة تستقبل آلاف الأشخاص.

 السؤال الثاني: ما الفرق بين الفئة المستهدفة في الإعلام الرقمي وبين جمهور دار الصياد؟ 

الاختلاف الأساسي يكمن في طريقة تحديد الجمهور والوصول إليه، وليس فقط في طبيعة الجمهور نفسه.

في زمن الإعلام المطبوع، كانت كل مجلة أو مطبوعة تخاطب شريحة محددة من القرّاء بحسب اهتماماتهم ومستواهم الثقافي والاجتماعي. وكانت الدراسات التسويقية تلعب دوراً مهماً في تحديد هوية المطبوعة وشكلها ومضمونها.

ومن خلال عملي الطويل في دار الصياد، سعيت إلى تعزيز العلاقة بين الدراسات والتصميم والمحتوى، لأنني كنت أؤمن بأن التصميم الناجح يجب أن ينطلق من فهم الجمهور، لا من الناحية الجمالية وحدها.

أما اليوم، فقد أتاحت التكنولوجيا الرقمية تحديد الفئات المستهدفة بدقة أكبر، من حيث العمر والموقع الجغرافي والاهتمامات والسلوك الاستهلاكي، مع إمكانية قياس النتائج بصورة شبه فورية.

لكن هناك فرقاً جوهرياً: في الإعلام المطبوع كان القارئ يختار مطبوعته ويتفاعل معها وفق وتيرة محددة، أما اليوم فنحن أمام جمهور يتلقى مئات الرسائل يومياً، ويقرر خلال ثوانٍ ما إذا كان سيتفاعل مع المحتوى أم يتجاوزه.

لهذا أرى أن التحدّي اليوم ليس الوصول إلى الجمهور فقط، بل القدرة على جذب انتباهه، والمحافظة على ثقته، وتحويل اهتمامه إلى تفاعل حقيقي.

 السؤال الثالث: هل اختلف شكل الإعلان والتسويق بين الماضي واليوم؟ 

بالتأكيد، والاختلاف لا يقتصر على الشكل، بل يشمل طريقة التفكير والإنتاج والتوزيع وقياس النتائج.

في الماضي، كان الإعلان يعتمد بدرجة كبيرة على الصحف والمجلات والتلفزيون والإعلانات الخارجية، وكانت قوة الفكرة والتصميم الفني عنصرين أساسيين في نجاح أي حملة.

وأذكر أنني عندما دخلت دار الصياد، وجدت أن العمل الفني والتصميم كانا موزّعين بين فرق تعمل بصورة منفصلة لكل مطبوعة، من دون تنظيم مركزي أو تخصصات واضحة.

لذلك أنشأت دائرة إبداعية مركزية، وتولّيت إدارتها بصفتي المدير الإبداعي ورئيس القسم، حيث أعدت تنظيم العمل الفني، وأدخلت منهجية جديدة في تصميم المجلات وإخراجها، تجمع بين التخصص والتكنولوجيا والدراسات التسويقية. ودعم نجاح عملي خارج وظيفتي والاقبال على تصاميمي من قبل شركات عربية واجنبية، واصلني لان يدرج اسمي على قائمة Who’s Who في نيويورك من بين أهم المصممين الفنيين ونفس الشيء في قائمة World Creative Review UK.

كما دُعيت من قبل A&AD في المملكة المتحدة للمشاركة متحدثاً في ندواتها خلال London Technology Week، وتكررت هذه المشاركات على مدى سنوات.

أما اليوم، فقد أصبح الإعلان أكثر تفاعلاً وسرعة، ودخلت إليه أدوات رقمية وذكاء اصطناعي تتيح إنتاج المحتوى وتطوير الحملات وقياس نتائجها بطرق لم تكن متاحة سابقاً.

لكنني أؤمن بأن التكنولوجيا، مهما تطوّرت، تبقى أداة في خدمة الفكرة.

فالتكنولوجيا تمنحنا السرعة والإمكانات، أما الإبداع فيمنح الإعلان شخصيته وقيمته وقدرته على التأثير.

السؤال الرابع: كيف أسّست شركتك الحالية واتخذت قرار الانتقال من دار الصياد وعالم الإعلام المكتوب والمطبوع؟ 

عندما قررت الانتقال إلى العمل المستقل، لم أكن أبدأ من الصفر، بل كنت أحمل رصيداً كبيراً من الخبرة المهنية والأكاديمية والاعتراف الدولي.

خلال عملي في دار الصياد، كنت قد أسّست وأدرت دائرة إبداعية مركزية، وأدخلت أساليب عمل وتقنيات حديثة، وساهمت في تطوير طريقة إنتاج المطبوعات وإخراجها الفني.

وقد منحتني هذه التجربة فرصة إدارة فرق متخصصة، والتعامل مع تحديات الإنتاج والإعلان والتسويق، إلى جانب بناء شبكة واسعة من العلاقات المهنية.

لكنني كنت أرى أن مستقبل القطاع يتجه نحو نموذج أكثر مرونة وتكاملاً، يجمع بين الإبداع والتكنولوجيا والتسويق المباشر.

ومع توسّع طموحي نحو الإنتاج الترفيهي، أطلقت Fingerprints Entertainment، كشركة متخصصة بإنتاج وتنظيم المهرجانات الفنية الضخمة التي تتطلب تخطيطاً استراتيجياً وإدارة تشغيلية وتسويقية على مستويات عالية.

بالنسبة إليّ، كان تأسيس الشركتين خطوة طبيعية لشخص اعتاد أن يبتكر ويطوّر، لا أن يكتفي بإدارة ما هو موجود.

لم يكن خروجي من دار الصياد نهاية مرحلة إعلامية، بل بداية مرحلة أوسع أصبحت فيها قادراً على تحويل رؤيتي الإبداعية إلى مشاريع مستقلة تحمل بصمتي الخاصة.

 السؤال الخامس: كيف دخلت عالم الترفيه؟ وكيف أثّر الذكاء الاصطناعي في عملك؟ وكيف انتقلت من ضهور شوير إلى جونية؟ 

دخولي عالم الترفيه جاء نتيجة قناعة بأن الإعلان والتسويق لا يجب أن يبقيا محصورين في الرسائل البصرية والرقمية، بل يمكن تحويلهما إلى تجارب حقيقية يعيشها الجمهور.

ومن خلال Fingerprints Entertainment، بدأت بتطوير مفهوم المهرجانات الفنية الضخمة، بحيث لا يكون المهرجان مجرد مجموعة من الحفلات الموسيقية، بل مشروعاً متكاملاً يجمع الترفيه والسياحة والتسويق والرعاية التجارية والتنشيط الاقتصادي.

وكانت تجربة ضهور الشوير جزءاً من هذا التوجّه، قبل أن ننتقل إلى جونية بطلب وتعاون من بلدية جونية، حيث وجدنا فرصة لتطوير مهرجان بمفهوم أوسع، يستفيد من الموقع البحري للمدينة وهويتها السياحية.

وهذا يساعدنا كثيراً في تقديم المشاريع إلى البلديات والرعاة والشركاء، ويمنحهم صورة أوضح عن النتائج التي نسعى إلى تحقيقها.

كما نستفيد من هذه الأدوات في إعداد الحملات الإعلانية، وتطوير المحتوى، ودراسة الجمهور، وتسريع مراحل الإنتاج.

لكنني أرى أن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه أن يحلّ مكان الرؤية الإبداعية والخبرة الإنسانية.

فأنا أستخدم التكنولوجيا منذ بداياتي المهنية، من تقنيات الرسم والإخراج الفني إلى الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي اليوم، ولم أنظر إليها يوماً باعتبارها بديلاً عن الموهبة، بل وسيلة لتوسيع قدراتها.

الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعدك على تخيّل مهرجان كامل، لكن الخبرة والإدارة والعلاقات الإنسانية هي التي تحوّل هذا الخيال إلى مهرجان ناجح على أرض الواقع.

 عندما أنظر إلى مسيرتي المهنية، أجد أن القاسم المشترك بين جميع مراحلها هو الإبداع والقدرة على التجديد. من دراستي في إيطاليا وبيروت والولايات المتحدة، إلى إدخال تقنيات وأساليب إبداعية جديدة في دار الصياد، وصولاً إلى تأسيس Fingerprints وFingerprints Entertainment، كان هدفي دائماً أن أضيف قيمة حقيقية إلى أي مشروع أعمل عليه.

لقد انتقلت من تصميم الصفحات والمطبوعات إلى تصميم الحملات الإعلانية والتجارب الجماهيرية والمهرجانات الفنية الضخمة، لكن الفلسفة بقيت واحدة: أن تكون لكل فكرة هوية، ولكل مشروع قيمة، ولكل تجربة بصمة تميّزها عن غيرها.

وأعتقد أن النجاح لا يكمن في مواكبة التطوّر فقط، بل في امتلاك الجرأة والمعرفة والموهبة للمساهمة في صناعته.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

»أرماندو كورتشيو« الإيطالي يمنح جمال سند السويدي الدكتوراه الفخرية تقديراً لمسيرته الفكرية والعلمية

منح معهد »أرماندو كورتشيو« الأكاديمي الإيطالي (Istituto Armando Curcio)، يوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، برئاسة …