في كواليس “Polileaks”: تشريح “الوهم الاستخباري” وتصفية الحسابات السياسية عبر شاشات النخبة

في المشهد اللبناني المفتوح على التحولات الإقليمية وحروب النفوذ، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي من منابر للرأي العام إلى ساحات لـ “الحروب النفسية الصامتة”. وتبرز على هذه المنصات صفحات تتقن العزف على الغموض، مقدّمة نفسها كـ “صندوق أسود” وكواليس لا يطالها إلا الراسخون في أروقة السفارات وأجهزة الأمن. من بين هذه النماذج، تلفت صفحة “Polileaks” الانتباه بمحتواها المكثف ولغتها الجازمة.

لكن، إخضاع هذه الصفحة لمنهجية “التدقيق المعكوس” (Reverse Audit) يضعنا أمام السؤال الجوهري الأهم: هل نحن فعلاً أمام “غرفة عمليات استخبارية وإعلامية موجهة” (Tactical PsyOps Desk)، أم أننا أمام “استعراض نفوذ ذكي” وادعاء هوليوودي بالاطلاع يمارسه مستشار سياسي يجيد التقمّص؟


أولاً: سحر الألف متابع.. كيف يتحول “الهامش” إلى “مطرقة”؟

أولى مفارقات الصفحة هي ضعف قاعدتها الجماهيرية؛ إذ بالكاد تلامس عتبة الـ 1,000 متابع. هذا الرقم، الذي يبدو هزيلاً بمقاييس المؤثرين، يكشف في الواقع عن وظيفة الصفحة النخبوية:

  1. اقتصاد “السكرين شوت” وبذور الواتساب: الصفحة لا تُقاس بعدد نقرات الإعجاب، بل بدورها كـ “حاضنة بذر” (Seeding Platform). يُرمى التسريب فيها كتوثيق أولي، ثم يُنقل كـ “لقطة شاشة” (Screenshot) ليتم تدويره داخل غرف الواتساب المغلقة: مجموعات نواب البرلمان، مستشاري السفارات، وكوادر الأحزاب. المتلقي هناك لا يرى حجم المتابعين، بل يرى اسماً رناناً يوحي بالسرية (“Leaks”)، فيتعامل مع المحتوى كبرقية استخبارية مسربة.

  2. استهداف صناع القرار (Boutique Influence): المنشور لا يحتاج لملايين القراء؛ يكفي أن يقرأه 50 شخصاً مؤثراً في معراب، اليرزة، قصر العدل، وعوكر، ليحدث الأثر المطلوب: تجميد ترشيح، إطلاق إنذار داخلي، أو فرملة قاضٍ عن إصدار مذكرة.

  3. مظلة “الإنكار المعقول” (Plausible Deniability): تتيح الصفحة لمشغّليها الحقيقيين رمي “بالونات اختبار” حارقة لقياس ردود الفعل، دون تحمل كلفة سياسية أو قضائية؛ فإن أصابت المعلومة كان بها، وإن أحدثت فضيحة، نُسبت لـ “صفحة فيسبوك مجهولة لا قيمة لها”.


ثانياً: الفخ التحليلي.. حقيقة استخبارية أم “تقمّص محترف”؟

عند تشريح نصوص الصفحة، يظهر التناقض الصارخ الذي يحدد طبيعتها:

  • عناصر “الإيحاء والادعاء” (The Simulation):
    الغرف الاستخبارية الحقيقية تعمل ببرود لغوي وتوثيقي صارم. في المقابل، نجد نصوص “Polileaks” تنزلق في كثير من الأحيان إلى “نميمة المقاهي السياسية” واستخدام مفردات شخصية وفجة (مثل نعت طامحين نيابيين بـ “الأولاد” في البترون، ووصف رئيس حزب الكتائب بأنه يمارس عقدة “يا أنا يا لأ متل عمرو دياب”، أو القول إن جبران باسيل ينسق مع الحزب “لعل وعسى”). هذه لغة تكشف عن خلفية صحافي أو كاتب صالونات مسيحي معجون بالكيديات المحلية، يرتدي قناعاً استخباراتياً ليعطي انطباعاً زائفاً بفخامة مصادره.

  • عناصر “الاختراق والمصداقية الجزئية”:
    في المقابل، لا يمكن تصنيف الصفحة كعمل هواة مطلق. فالصفحة تملك تفاصيل موضعية دقيقة: أسماء قضاة ومواعيد جلسات محددة باليوم والسنة (ملف كازينو لبنان في 6 تشرين الأول 2026)، وتغييرات هيكلية في ماكينة إعلام القوات اللبنانية (إزاحة سارة عساف وصعود جاد دميان: انهم اصدقاء مقربين ! السهرات التي يتوجهون سويا اليها لا يدخل ناديها اي قواتي اخر معجون بهوس حب القومي السوري ). هذا المزيج يشير إلى أن الكاتب ليس جهازاً رسمياً، بل شخصية تتحرك على حواف الدوائر الحزبية والأمنية وتلتقط الفتات الدقيق وتنسجه في قالب “وثائق مسربة”.


ثالثاً: العقيدة السياسية.. الترويج لـ “المخلص” وتقليم أظافر الحلفاء

مهما تكن درجة حقيقة الصفحة أو ادعائها، فإن البوصلة السياسية التي تخدمها واحدة ولا لبس فيها:

  1. تطبيع “العهد العسكري”: الذهاب بعيداً في الترويج للعماد جوزاف عون، وصولاً إلى استباق الدستور وتسميته صراحة بـ “رئيس الجمهورية جوزاف عون”، في إطار هندسة وعي القارئ وإلزامه بفكرة أن الرئاسة حُسمت، وأن المؤسسة العسكرية وحدها القادرة على تنظيف “عقود مستشاري بعبدا” وضبط فوضى المولدات والعفو العام.

  2. الانسجام مع المسار الأميركي: الترويج الدائم لـ “الفصل النهائي بين المسار اللبناني والإيراني” والتبشير باتفاقات ترعاها واشنطن وتسليح “تكتيكي” للجيش في مؤتمر روما، وتقديم المشهد كمسار دولي حتمي.

  3. تأديب الساحة المسيحية وإعادة تشكيلها: تشن الصفحة هجمات ثلاثية الأبعاد:

    • شيطنة الخصوم: تصوير باسيل كبهلوان يلعب على الحبال، والاستهزاء بتشظي القومي السوري.

    • إزاحة التغييريين التقليديين: تصفية حسابات مبكرة مع النائب بولا يعقوبيان في بيروت الأولى بدعوى أنها “خدمت عسكريتها”، لإفساح المجال أمام وجوه جديدة.

    • توجيه إنذارات داخلية للحلفاء: ممارسة دور “البيجر الحزبي” عبر فضح نقمة كوادر القوات في بيروت على النائب غسان حاصباني لاحتكاره القرار، والسخرية من غياب سامي الجميل.


رابعاً: هندسة اللاوعي.. العزف على الخوف والعدمية

تستمد الصفحة قوتها النفسية من اختراق ثلاث ثغرات عميقة في الوعي الجمعي، وتحديداً في الشارع المسيحي:

  • عقدة “المستبد العادل”: إشباع التوق الدفين لدى بيئة تشعر بالتهديد والانهيار المؤسساتي، نحو “رجل قوي” (قائد الجيش) يضرب بيد من حديد وينهي فساد الساسة، ويحمي القضاء والبطريركية.

  • متعة “التلصص والتفوق المعرفي” (Political Voyeurism): جعل المتابع يشعر بأنه يتلصص على خلوات السفراء ومجالس الأحزاب الخاصة، (معيدا للذاكرة ربطا بملف الاحزاب في الأخبار …. والذي يفضح النفس هو استعمال تقنية الخلافات داخل القومي السوري لتقليل من خطورته التي ترافقت مع تعديلات في خطاب غدي فرنسيس الذي تتقاضى 400 دولار على الساعة (حديث) ) مما يمنحه شعوراً زائفاً بالنخبوية يعطل قدرته على النقد والمساءلة.

  • العدمية السياسية: ترسيخ قناعة بأن الجميع فاسدون وانتهازيون، حتى التغييريين والورثة السياسيين، ليبقى المخرج الوحيد هو “التسوية الخارجية المفروضة من فوق”.


الحكم النهائي: ما هي “Polileaks” حقاً؟

بالمحصلة، “Polileaks” ليست غرفة عمليات مخابراتية رسمية، بل هي “منصة تمثيل استخباري” (Intelligence LARPing).

يقف خلفها على الأرجح مستشار إعلامي أو فريق ضغط (Lobbyist/Spin Doctor) يدور في فلك اليمين الوسط والشارع السيادي، يملك مصادر محلية جيدة جداً في قصر العدل ومعراب ومحيط اليرزة، لكنه يوظف هذه التقاطعات الصغيرة داخل قالب مسرحي يوحي بارتباطه بـ “غرف عمليات كبرى”. (او هي رسالة أمنية أن هناك طرف ما.. قادر على اختراق هذه الاوساط بحصان طروادة “يقال” … تحمي البطريركية حين… وتستعمل “الاخبار” حيناً اخرى لتضرب الراعي على يده ان قاوم اتجاه ما ؟)

إنها أداة محلية الصنع بامتياز، هدفها الأساسي تصفية الحسابات الصالونية المباشرة، وحجز مقاعد مبكرة في قطار “التسوية الرئاسية والانتخابية القادمة”، عبر إيهام النخبة بأن ما تكتبه الصفحة ليس حبراً رقمياً… بل أوامر كُتبت في الغرف المغلقة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …