بين مطرقة الوصاية وسندان “الفيتو”: هندسة السيادة اللبنانية ومعضلة التحقق الدولي

يقف لبنان في مرحلة ما بعد حرب 2024 أمام مفترق طرق وجودي يعيد صياغة مفهوم الدولة وعلاقتها بمحيطها الإقليمي والدولي؛ فبعد عقود من التسويات السياسية الهشة التي أعقبت الحرب الأهلية وكرّست نمطاً مركباً من “السيادة الهجينة” بتعايش السلطة الرسمية مع بنية عسكرية موازية قادها حزب الله، فرضت التحولات الميدانية الأخيرة وتفكيك البنية الصلبة لتلك المنظومة ضرورة ملحة لملء الفراغ السيادي. غير أن هذه اللحظة التاريخية لاستعادة الدولة زمام المبادرة تصطدم بمعضلة ثنائية بالغة الحساسية: فمن جهة، يواجه لبنان تحدي تقديم أدلة ملموسة وقابلة للتحقق دولياً على تنفيذ التزاماته وحصر السلاح بمؤسساته الشرعية دون تحويل الرقابة الخارجية إلى سلطة وصاية موازية تنتقص من ولاية الجيش الوطني؛ ومن جهة أخرى، يبرز تحدي إكساب نتائج هذا التنفيذ صدقية أممية كافية تُسقط حق النقض المنفرد الذي تمارسه إسرائيل، وتمنعها من جعل موافقتها الذاتية شرطاً دائماً لتبرير استمرار اعتداءاتها وتكريس هشاشة الدولة.

ولتفكيك هذه المعضلة، لا بد من الانطلاق من فهم دقيق للمرجعية القانونية الدولية المتمثلة في سلسلة قرارات مجلس الأمن، والتي تكرس مبدأً بنيوياً ثابتاً يقضي ببسط سلطة الحكومة اللبنانية على كامل أراضيها ونزع سلاح كافة الميليشيات. هذا المسار الذي افتتحه القرار 1559 عام 2004 بدعوته الشاملة لحل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية واستعادة سيادة الدولة على الصعيد الوطني العام دون حصره بجغرافية معينة، أعاد القرار 1680 تأكيده بالتشديد على استكمال مندرجاته ودعم الحوار الوطني. وجاء القرار 1701 عام 2006 ليؤسس لمستويين مترابطين: مستوى ميداني يفرض إخلاء المنطقة الواقعة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني من أي سلاح أو عناصر مسلحة باستثناء الجيش اللبناني وقوات “اليونيفيل”، ومستوى وطني استراتيجي يربط ترتيبات الجنوب بأحكام اتفاق الطائف والقرارات السابقة لإنهاء أي مظهر للسلطة العسكرية المستقلة في البلاد. وتُوّج هذا التراكم بالقرار 2790 لعام 2025، الذي اعتُمد بإجماع أعضاء مجلس الأمن مجدداً التأكيد على حصرية السلاح بيد الحكومة الشرعية على كامل التراب اللبناني، مع مطالبته الحازمة لإسرائيل بالانسحاب من المواقع الخمسة التي احتفظت بها وإزالة كافة المناطق العازلة شمال الخط الأزرق، مما رسخ مبدأ توازي الالتزامات الدولية وشموليتها.

غير أن الإقرار بهذا الهدف الأممي يفرض تمييزاً وظيفياً صارماً بين غاية نزع السلاح وبين آليات إنفاذه؛ فالمطالبة الدولية بإنهاء المظاهر المسلحة لا تعني بأي حال تفويضاً مفتوحاً لقوات “اليونيفيل” بشن عمليات عسكرية، كما أنها لا تمنح إسرائيل ترخيصاً أحادياً لاستخدام القوة بحجة فرض الشرعية الدولية. وفي هذا الإطار، تلتقي مقاربة الأمين العام للأمم المتحدة، الممتدة عبر تقاريره المتتابعة، مع ضرورات الواقع اللبناني في التأكيد على أن نزع السلاح يجب أن يمر عبر مسار سياسي وحوار وطني جامع يفضي إلى تقوية مؤسسات الدولة المركزية لا تفجيرها من الداخل؛ إذ إن الهدف هو تثبيت الاستقرار لا استدعاء الحرب الأهلية. ويتكامل هذا التوجه مع الدور المحدد لقوات “اليونيفيل”، التي صُممت ولايتها كأداة للمراقبة ومساندة الجيش اللبناني جنوب الليطاني، وتقديم الدعم في مراقبة الحدود والمنافذ بناءً على طلب الحكومة وحدها، دون أن تتحول إلى قوة بديلة عن الدولة أو مرجعية سياسية تقرر مصير السلاح. ويتقاطع هذا المسار مع الموقف الأوروبي الحاسم الذي عبّرت عنه استنتاجات المجلس الأوروبي أواخر عام 2025 وبياناته في منتصف 2026، بالدعوة الصريحة إلى النزع الكامل لسلاح حزب الله والجماعات غير الحكومية، ودعم مؤسسات الدولة على المستوى الوطني لا الاكتفاء بالتدابير الحدودية الموضعية.

وانطلاقاً من هذا التمايز القانوني، تتبلور الإجابة عن الشق الأول من المعضلة المتعلق بكيفية تقديم أدلة قابلة للتحقق دون المساس باستقلالية الجيش؛ إذ يقدم نموذج “اتفاق الجمعة العظيمة” في إيرلندا الشمالية عام 1998 درساً عملياً في تأسيس “آليات تحقق مستقلة” تعمل كأداة فنية لتوثيق الالتزام دون ممارسة سلطة تنفيذية ميدانية. وتأسيساً على ذلك، يتولى الجيش اللبناني وحده، وبدافع من واجبه الدستوري لا كوكيل لقوى خارجية، تنفيذ عمليات التفتيش والمصادرة وفرض حصرية السلاح، تحت مظلة الشعار السيادي الذي أطلقه الرئيس جوزف عون بـ “حصر السلاح بيد الدولة”. ويتيح هذا التأطير تقديم أدلة متدرجة وملموسة تبدأ بإنفاذ الترتيبات الجغرافية الصارمة جنوب الليطاني لإظهار خلو المنطقة تماماً من المظاهر المسلحة، ثم تتدرج نحو معالجة الأسلحة النوعية ذات البعد الاستراتيجي كالصواريخ الدقيقة، وتتكامل مع فرض الرقابة الصارمة على المعابر والمطار والمرافئ بالتعاون مع المعايير الدولية لمكافحة التدفقات المالية غير المشروعة، وهو ما يولد بيانات رسمية موثقة دولياً تكفي لإثبات الامتثال دون المساس بالسيادة العملياتية للمؤسسة العسكرية.

أما الشق الثاني من المعضلة، والمتمثل في منع إسرائيل من احتكار الاعتراف بالنتائج واستخدام “الفيتو” الذاتي كذريعة مفتوحة لمواصلة استباحة الأراضي اللبنانية، فإن حله يقتضي انتزاع تقييم الصدقية من الإطار الثنائي غير المتكافئ وإيداعه لدى المجتمع الدولي المتعدد الأطراف. وتعد تجربة اتفاقية ترسيم الحدود البحرية لعام 2022 دليلاً عملياً على إمكانية إبرام ترتيبات أمنية وقطاعية ملزمة عبر وسطاء دوليين وضامنين ذوي مصداقية تودع وثائقها لدى الأمم المتحدة، فتغدو شهادة الهيئات الأممية المستقلة هي المعيار القانوني الوحيد المعتد به دولياً لتأكيد التزام لبنان، مما يُبطل مفاعيل الرفض الإسرائيلي المنفرد. ويتعزز هذا المسار بفرض معادلة “التبادلية والتوازي”؛ حيث يُلزم المجتمع الدولي إسرائيل باحترام سيادة لبنان والانسحاب الفوري من النقاط المحتلة المتبقية ووقف خروقاتها الجوية والبرية، نظراً لأن استمرار تلك الانتهاكات يمنح الفواعل غير الحكومية مسوغاً دائماً للمقاومة واستدامة التسلح.

وفي هذا السياق المفصلي، تكتمل بنية الحل عبر دبلوماسية “الشرطية الذكية المتدرجة” كرافعة استراتيجية تعيد صياغة العلاقة بين الأمن والسيادة والتنمية؛ إذ تتجاوز هذه الآلية المفهوم التقليدي للمساعدات الإنسانية الإغاثية لتتحول إلى “مشروع استثماري في السيادة الوطنية”. وتقوم هذه المقاربة على الربط العضوي والمحكم بين شهادات الامتثال الميداني والمؤسسي التي تصدرها لجان التحقق الأممية المستقلة، وبين الإفراج التلقائي والمرحلي عن حزم الدعم الاقتصادي، وتمويل إعادة الإعمار، وتحديث البنية التحتية، وتعزيز ميزانية الجيش اللبناني وقدراته القتالية واللوجستية.

وتتجلى القوة الاستراتيجية لهذه “الشرطية الذكية” في تحقيق هدفين متزامنين؛ أولهما تفكيك الأساس الاقتصادي والاجتماعي لنموذج “الدولة الموازية”، عبر توجيه التدفقات المالية والاستثمارية مباشرة وبإشراف أجهزة الدولة الرسمية نحو المناطق التي شكّلت تاريخياً معاقل للحزب في الجنوب والبقاع والضاحية، مما يمكّن الدولة اللبنانية من الفوز بـ “سباق شرعية الأداء” وتوفير خدمات متفوقة في الصحة والتعليم والإسكان والإنماء الاقتصادي، وهو ما يكسر حلقات الولاء الخدمي والزبائني الموازي ويعيد ربط المواطنين بالكيان المؤسسي الوطني كضامن وحيد للرفاه والأمن.

أما الهدف الثاني لهذه الآلية فيتمثل في نزع أوراق الابتزاز من يد الطرف الإسرائيلي ونقل معيار الصدقية بالكامل إلى يد المجتمع الدولي؛ فعندما تصبح معايير الامتثال مؤطرة ببروتوكولات فنية دولية معتمدة من الأمم المتحدة وممولي إعادة الإعمار، تتولى الهيئات الأممية والدول المانحة الكبرى إصدار شهادات الإقرار بالتقدم المحرز، وتتحول النتائج إلى حقائق مؤسسية معترف بها عالمياً. وبموجب ذلك، تُسحب صلاحية الحكم من التقييم الإسرائيلي الأحادي، ليصبح أي تشكيك يصدر عن تل أبيب، أو أي محاولة للتنصل من التزامات الانسحاب والتهدئة، بمثابة اعتراض منفرد معزول لا قيمة قانونية له، بل يضع إسرائيل في صدام ومواجهة مباشرة مع الإجماع الأممي والقرارات الدولية النافذة والجهات المانحة الراعية لبرنامج استقرار لبنان.

في المحصلة، تتقاطع المرجعية القانونية للأمم المتحدة مع متطلبات بناء الدولة اللبنانية حول حتمية إنهاء ازدواجية السلاح، غير أن هذا التحول لا يمكن أن يتحقق بالقوة العسكرية التدميرية أو بفرض وصاية خارجية تلغي دور المؤسسات الشرعية. إن الحل الواقعي المستدام يكمن في معادلة متكاملة يقود فيها الجيش اللبناني مسار إنفاذ السيادة الميدانية، وتسانده لجان تحقق مستقلة تكفل إثبات الامتثال بنزاهة، محصنة بدبلوماسية الشرطية الذكية التي تحول كل خطوة نحو حصر السلاح إلى خطوة موازية في التعافي الاقتصادي وبناء بدائل الدولة، في ظل رعاية دولية ضامنة تفرض احترام التبادلية وتلزم إسرائيل بوقف اعتداءاتها والانسحاب الكامل؛ وبذلك فقط يستعيد لبنان سيادته المكتملة ويتحول التحقق الدولي من أداة ابتزاز واختراق إلى رافعة تنموية وسياسية تنهي زمن “السيادة الهجينة” وتؤسس لدولة قوية، عادلة، وقادرة على حماية كامل ترابها وشعبها.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

هكذا تسقط عملية تبادل المعلومات عن اهداف لحزب الله العقوبات…. أي جار عليه أن يبلع لسانه خوفا من قتلة مارينز ال ١٩٨٢

لا تستهدف العقوبات الدولية تبادل المعلومات العامة أو الحرية الأكاديمية أو الصحفية، بل تستهدف منع …