وكأن رؤوسهم أصبحت لوحات إعلانية تجوب الشوارع، تحمل كتابة واضحة: “صحفي – هدف متحرك. يشهد المشهد الإعلامي في لبنان تصعيدًا خطيرًا في استهداف الصحفيين، حيث تتوالى الحوادث بشكل منهجي وكأنها حلقات من سلسلة مدبرة. بدأت هذه الحملة باستهداف مباشر وواضح لصحفيين أثناء تأديتهم لمهامهم المهنية، حيث سقطت كريستينا عاصي ضحية تحت وطأة القصف، وتعرضت كارمن جوخدار وعصام عبد الله لإطلاق نار مباشر واستشهد الأخير منذ سنة. وكأنهم أهدافٌ متحركة تحمل على رؤوسهم علامات تدل على مهنتهم.
لم تتوقف هذه الهجمات عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل المؤسسات الإعلامية، حيث تعرض مكتب قناة الميادين لقصف، وإن كان خالياً من الموظفين وقتها. هذا القصف، وإن كان يبدو للوهلة الأولى مجرد عمل عشوائي، إلا أنه يحمل في طياته رسائل سياسية عميقة. النمط في “التوقيت”. فبعد تصريحات وفيق صفا حول قصور حزب الله في التعامل مع ملف النازحين، يأتي استهداف الميادين ليصبّ الماء على طاحونة الاتهامات الموجهة للحزب، ويحول التركيز من القضايا الداخلية إلى الصراعات الإقليمية.
اللافت للنظر في هذه الحوادث هو اختيار التوقيتات بدقة متناهية. ففي الحوادث الأولى، تم استهداف الصحفيين أثناء عملهم، في رسالة واضحة مفادها أنهم ليسوا في مأمن حتى وهم يؤدون واجبهم المهني. وفي الحادثة الأخيرة، تم استهداف الميادين بعد تصريحات حساسة، اما الأخيرة هي استهداف مراسلين وقت النوم وفي منزل اخذوه ملجأ، بعد ان عجزو عن إيجاد مأوى.
في زمن النوم، يصبح القتل سهلاً. في لحظة السكون، حين تغفو الحواس وتتثاقل الأجساد، تفتح نافذة جديدة للموت، بابٌ مبهم يستحيل خلاله الصمود أو المقاومة. علماً ان محمد فرحات أضاع بيته، فاهله نازحين. عند ذاك التوقيت، يكون الإنسان أكثر هشاشة، مستسلماً للعتمة المحيطة، بعيداً عن صخب اليقظة.