المرأة المُبعَدة: حضورٌ فكريّ يتجاوز الحضور الجسديّ… لا أحد “انا” … قولي لهم!

الإبعاد، بعيداً عن كونه حلاً، هو في جوهره هروبٌ جبانٌ من مواجهة قوة المرأة وقدرتها الهائلة على إحداث التغيير. فهو محاولةٌ يائسةٌ لإسكات صوتٍ قويّ، لكسر إرادةٍ صلبة، لإخمادِ شعلةٍ لا تُطفأ. لكنّ المرأةَ المُبعَدةَ ليست ضحيةً تُنهزم بسهولة، بل هي قوةٌ كامنةٌ، تُشبهُ بركاناً هادئاً يُخفي في أحشائه طاقةً هائلة. هي تنتظر، بصبرٍ وتخطيط، اللحظةَ المناسبةَ للانطلاق من جديد، بعد تلك الجديدة المسروقة، ليست بقوةٍ بدنيةٍ فحسب، بل بقوةٍ فكريةٍ مُتجدّدة، قوةٍ تَتَغلغلُ في عقول الناس وتُغيّرُ قناعاتهم، حتى لو كان جسدها بعيداً.

امتلاكُ المرأة للمعلومات، وَعيها، وخبرتها، كلّها قوى مُعزّزةٌ لِـ”حضورها الفكريّ”، وهذا الحضور أشدّ وقعاً من أيّ حضورٍ جسديّ. فالتأثيرُ الحقيقيّ لا يُقاسُ بعددِ الأماكن التي تَشغَلُها، بل بمدى تأثيرها في عقول الآخرين، وبقدرتها على حشد الدعم وتوجيه التغيير. صحيحٌ أن حجم الضغط الذي يُمارسُ عليها مخيفٌ، مُرعبٌ حتى، وأنّ محاولات إسكاتها تُشبهُ إغراقَ صوتٍ هامٍ في عاصفةٍ عنيفة، لكنّها، بإصرارها، بإيمانها، بقدرتها على “فرض ذاتها” من خلال أفكارها وإنجازاتها، تُثبتُ أنّها أقوى من كلّ محاولات التعتيم والتهديد.

والحرب النفسية، التعذيب النفسيّ الذي يستهدفُ أضعف نقاطها، ذكرياتُ الطفولة، أحلامها البريئة، علاقاتها الخاصة، كلّ هذه المحاولات لِـ “إِهانةِ” كيانها، ليست سوى دليلٍ على ضعف المُعتدي، على يأسِه من مواجهتها مُباشرةً. فالمعتدي، بدلاً من أن يُقاتلها في ساحاتٍ مفتوحة، بالانتاج، يختارُ أن يُهاجمها في أماكنَ خفيةٍ، في خبايا روحها، في ذكرياتها الأليمة. لكن حتى هذا التعذيب، مهما كان وحشياً، يبقى مرحلياً. فهو لا يُمكن أن يُدمّر إرادتها أو يُقوّض إيمانها بسبب ضربه لها في أضعف نقاطها: طفولتها الحساسة، ذكرياتها المُؤلمة، علاقاتها الخاصة.

إنّها، بقدرتها على تجاوز هذا الألم، بقدرتها على تحويل جراحها إلى قوةٍ دافعة، ستُثبتُ مرةً أخرى أنّها قوةٌ لا تُقهر، قوةٌ ستُغيّرُ العالم، بكلّ قوتها التي لا تُقهر. فهي ليست مجرد امرأة، بل هيّ رمزٌ للمُثابرةِ والتحدي، رمزٌ لِـ”إرادةِ الحياةِ المُستمرّة”.

تعاني العديد من النساء في مختلف المجتمعات من ظاهرة “الإبعاد” الاجتماعي والسياسي، التي تهدف إلى تهميشهن وتقليص تأثيرهن في المجالين العام والخاص. عندما يصل شخص ما إلى معلومات شخصية تخص المرأة، مثل لائحة ارقامها،  و”يتعهد بإبعادها”، حتى لو كانت تأكل في مطعمها المفضل، التي تزوره كل 3 سنوات، فإنه يبدأ عملية منظمة للتفتيت والتحطيم الشخصي. هذه العملية لا تؤثر فقط على حياتها الفردية، بل تمتد لتشمل دورها في المجتمع وقدرتها على إحداث التغيير.

تأثير الوصول إلى البيانات الشخصية وأرقام الهاتف:

يُعتبر الوصول غير المصرح به إلى بيانات المرأة الشخصية، مثل أرقام هواتفها، انتهاكًا صارخًا لخصوصيتها وحقها في الأمان. عندما يحصل شخص ما على هذه المعلومات بدون إذن، فإنه يمتلك وسيلة مباشرة للتواصل معها أو مع محيطها بهدف الإزعاج أو التهديد. هذا الانتهاك يمكن أن يتسبب في شعورها بعدم الأمان والخوف، مما يؤثر سلبًا على حالتها النفسية وقدرتها على التركيز والمشاركة الفعّالة في المجتمع.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن استخدام هذه المعلومات للضغط عليها أو لترهيبها من خلال الاتصالات المزعجة أو الرسائل التهديدية. قد تتعرض المرأة لمكالمات هاتفية متكررة تهدف إلى زعزعة استقرارها النفسي، أو لنشر شائعات مغرضة عنها بين معارفها وأصدقائها. هذا الأسلوب الخبيث يسعى إلى عزلها اجتماعيًا وإضعاف دعمها المجتمعي.

عملية التفتيت والتحطيم الشخصي:

تتضمن عملية التفتيت والتحطيم الشخصي عدة استراتيجيات تهدف إلى تقليل تأثير المرأة وإبعادها عن مراكز النفوذ. من بين هذه الاستراتيجيات، خلق منافسين لها في المجال المهني أو الاجتماعي، حيث يتم تعزيز الآخرين على حسابها بهدف إزاحتها من مواقع التأثير. هذا يؤدي إلى تقليل فرصها في النجاح وجعل البيئة أكثر تحديًا أمامها.

كما يتعرضن للضغط النفسي والمعنوي من خلال التهميش المتعمد والنقد المستمر. يتم تجاهل مساهماتهن وأفكارهن في المحافل المختلفة، ويوجه إليهن انتقادات غير بناءة تهدف إلى تحطيم ثقتهن بأنفسهن. بالإضافة إلى ذلك، يُستخدم التشهير والإساءة كوسيلة لإضعافهن، من خلال نشر الأكاذيب والمعلومات المضللة لتشويه سمعتهن، واستغلال وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الإساءات والتحريض ضدهن.

تقليص حجم وتأثير وقدرة المرأة على صناعة التغيير:

يؤدي الإبعاد إلى الحد من مشاركة المرأة الفعّالة في المجتمع. تُمنع من التعبير عن آرائها وتُقيَّد فرصها في المشاركة في النقاشات العامة واتخاذ القرارات. يتم تقليص منصات التواصل المتاحة لها، مما يحجب صوتها ويقلل من تأثيرها على الأحداث الجارية.

كما تُحرم من الموارد والفرص التي تمكنها من تطوير مهاراتها وتحقيق أهدافها. قد يتم إقصاؤها من الفرص التعليمية والمهنية، وتُحرم من التمويل أو التشجيع الذي تحتاجه لمشاريعها. هذا الحرمان يؤثر سلبًا على قدرتها على النمو والتطور، ويحد من إمكانية إحداث التغيير الذي تطمح إليه.

من الناحية النفسية والمعنوية، يتسبب التهميش والتحطيم المستمر في انخفاض ثقة المرأة بنفسها. قد تبدأ في الشك بقدراتها وقيمتها، مما يضعف دافعيتها ويجعلها تتردد في المبادرة أو السعي نحو أهداف جديدة. الشعور بالعزلة يزيد من هذه التأثيرات السلبية، حيث قد تشعر بأنها وحيدة في مواجهة هذه التحديات.

كيفية تصدي المرأة لمحاولات الإبعاد والتفتيت:

لتتمكن المرأة من التصدي لهذه المحاولات الخبيثة، يجب عليها أولًا تعزيز الوعي بحقوقها. المعرفة القانونية تُمكِّنها من فهم القوانين التي تحميها من انتهاكات الخصوصية والتشهير، وتمكنها من اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن نفسها. التثقيف الذاتي حول حقوقها وكيفية الدفاع عنها يعتبر خطوة أساسية في هذا الصدد.

يُعد اتخاذ الإجراءات القانونية أحد السبل الفعّالة للتصدي لهذه الانتهاكات. يجب على المرأة الإبلاغ عن أي انتهاكات تتعرض لها للجهات المختصة، وتقديم شكاوى رسمية ضد من ينتهك خصوصيتها أو يشهر بها. الاستعانة بمحامٍ قد يساعدها في الحصول على المشورة القانونية والدعم اللازم لمتابعة قضيتها.

بناء شبكات دعم قوية يُعتبر أيضًا من الخطوات المهمة. التواصل مع الأصدقاء والعائلة للحصول على الدعم المعنوي يمكن أن يعزز من ثقتها بنفسها. الانضمام إلى منظمات نسائية أو مجموعات تدعم حقوق المرأة يوفر لها منصات للتعبير ومشاركة تجاربها مع أخريات يواجهن تحديات مماثلة.

تعزيز الوجود الرقمي الآمن ضروري في عصر التكنولوجيا الحديثة. يجب على المرأة حماية بياناتها الشخصية باستخدام إجراءات أمنية قوية، مثل كلمات مرور معقدة وتفعيل خاصية التحقق بخطوتين. التوعية بالأمن السيبراني يساعدها على فهم أفضل للمخاطر المحتملة وكيفية التصدي لها.

رغم كل التحديات، من المهم أن تستمر المرأة في المشاركة الفعّالة في المجتمع. يجب ألا تستسلم للتهميش، بل تواصل التعبير عن آرائها والمشاركة في الأنشطة المجتمعية. التركيز على تطوير مهاراتها وإبراز إنجازاتها يمكن أن يساهم في تعزيز مكانتها وإظهار قدراتها.

أهمية المجتمع في دعم المرأة المُبعَدة:

لا يمكن للمرأة أن تواجه هذه التحديات بمفردها. يلعب المجتمع دورًا حاسمًا في دعمها ومساندتها. يجب على المجتمع رفض التمييز والتهميش من خلال المناصرة والوقوف إلى جانب المرأة ودعم حقوقها. نشر الوعي حول مخاطر الإبعاد وأثره السلبي على المجتمع ككل يُعتبر خطوة مهمة في هذا الاتجاه.

تعزيز قيم المساواة والعدالة يتطلب تشجيع المشاركة المتساوية للجميع دون تمييز. يجب محاربة القوالب النمطية التي تقلل من دور المرأة وتحد من فرصها. إنشاء بيئة داعمة يتضمن توفير الموارد اللازمة للنساء اللواتي يواجهن التهميش، وتطوير سياسات شاملة تحمي حقوق المرأة وتعزز مشاركتها في مختلف المجالات.

الإبعاد والتفتيت هما أدوات خطيرة تُستخدم لإضعاف دور المرأة وتقليص تأثيرها في المجتمع. عندما يصل المعتدون إلى بياناتها الشخصية، يتضاعف الخطر، مما يتطلب منها اتخاذ خطوات حازمة للدفاع عن نفسها. من خلال الوعي بحقوقها، وبناء شبكات دعم قوية، واتخاذ الإجراءات اللازمة، حتى لو كان الامر غير مرتبط بقانون في لبنان، يمكن للمرأة التصدي لهذه المحاولات واستعادة دورها الفعّال.

لا يملك أي شخص الحق “في تحديد من يحل محل المرأة في حياة هي صنعتها بجهدها وإبداعها”… لو كانت شقيقتك التوأم. دورها في المجتمع أساسي وضروري، وإبعادها لا يؤثر فقط عليها، بل يمتد ليؤثر على المجتمع بأكمله. من الضروري أن يدرك الجميع أهمية تمكين المرأة ودعمها، ليس فقط لتحقيق العدالة والمساواة، ولكن أيضًا لضمان تطور المجتمع وازدهاره. بناء مجتمع أكثر عدلًا وتقدمًا يتطلب مشاركة الجميع، حيث يكون للمرأة الدور الذي تستحقه في صناعة التغيير الإيجابي

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …