التشبث بالمكانة: بين إرث العائلات التجارية وسعي أتباع النظام السوري للحماية

يمكن تشبيه سعي أتراب النظام السوري في لبنان لتأمين حمايات لهم في ظل سقوط نظام الأسد، ورفضهم التحول إلى أشخاص عاديين بلا سلطة اجتماعية، بحالة العائلات التجارية العريقة التي تحاول الحفاظ على إرثها وسط التغيرات الجذرية التي تهدد مكانتها.

تمامًا كما وثقت جيني بوخه مراش في كتابها ذكريات جيني بوخه مراش (ترجمة مكاريوس جبور) تاريخ أسرتها في حلب، مسلطة الضوء على الجذور الأوروبية لجدها التاجر النمساوي جوزيف بوخه، واستقرار العائلة في بيت فاخر فوق خان النحاسين، فإن رموز النظام السوري في لبنان يسعون إلى توثيق وجودهم في المشهد السياسي والاجتماعي عبر التشبيك مع القوى النافذة، كبعض الأحزاب أو أمجاد من حاولوا إعادة بناء شبكات العلاقات الدولية في سوريا بعد اغتيال الحريري، تمامًا كما كانت العائلات التجارية الكبرى توظف نفوذها في المجالس الاقتصادية والاجتماعية للحفاظ على مكانتها.

وكما أن والد جيني، الطبيب أدولف بوخه، عاد من باريس وفيينا ليفتتح عيادته في حلب ويحافظ على امتداد العائلة في المدينة رغم التغيرات، فإن هؤلاء الأتباع يصرون على التشبث بمواقعهم القديمة، محاولين إعادة تعريف أنفسهم بطرق تضمن لهم استمرار النفوذ، سواء عبر المؤسسات، أو عبر إعادة التموضع في المشهد السياسي والاجتماعي.

إنهم، كآل بوخه في تاريخ حلب، يرفضون أن يكونوا مجرد ذكرى أو جزءًا من الماضي، بل يسعون، بكل ما أوتوا من علاقات وتشابكات، لضمان أن يبقوا جزءًا فاعلًا من الحاضر، حتى لو كانت قواعد اللعبة قد تغيرت.

يمكن وصف الحياة العادية التي تقتصر على بيت الأسرة في المدينة، حيث لا وجود للنوادي أو المساحات الاجتماعية التي تمنح الأفراد، وخاصة النساء، فرصة للخروج من إطار الحياة المنزلية الضيقة، بأنها حياة تنحسر داخل الجدران، تتشكل تفاصيلها من روتين متكرر لا يتجاوز أعمال المنزل والاهتمام بشؤون العائلة. في مثل هذه البيئة، تصبح النساء “عاديات”، ليس لأنهن بلا ذكاء أو طموح، بل لأن المجال العام مغلق أمامهن، فلا فرص للتعلم، ولا إمكانية لتوسيع الأفق عبر الاحتكاك بالثقافة أو المجتمعات الأوسع.

وهنا يمكن استحضار تجربة جيني بوخه مراش كنقيض لهذا النمط. جيني، رغم كونها ابنة وحيدة، لم تنحصر في دور المرأة التقليدي ضمن منزل والدها العريق في خان النحاسين، بل حملت إرث أسرتها عبر الكتابة والتوثيق، وتمكنت من ترك بصمة تاريخية من خلال كتابها الذي سرد ذكريات العائلة في حلب. كان بإمكانها أن تظل مجرد امرأة محصورة داخل منزلها، في بيئة قد لا تمنحها أكثر من دور زوجة وأم، لكنها امتلكت الوسيلة للوصول إلى العلم والمعرفة، سواء من خلال أصولها العائلية المتنوعة، أو من خلال البيئة الثقافية التي أتاحت لها أن تنظر إلى العالم خارج أسوار البيت.

في المقابل، تعيش النساء في البيئات المغلقة حياة تفتقر إلى هذا التفاعل، فبلا نوادٍ ثقافية أو اجتماعية، وبلا تعليم أو فرص تطوير الذات، ينحصر دور المرأة في تلبية المتطلبات اليومية للعائلة. يمر الزمن، وتتحول الطموحات، إن وجدت، إلى مجرد أفكار خاملة، غير قادرة على التشكل أو التعبير عن نفسها. تصبح الحياة مزيجًا من المهام المتكررة، وتنحسر الأحلام في نطاق محدود، حيث لا مجال للسؤال عن ما يمكن أن يكون، بل فقط عن ما هو موجود.

إن تجربة جيني بوخه مراش تظهر كيف أن الوصول إلى العلم والثقافة يمكن أن يكسر هذا النمط، في حين أن غياب هذه الفرص يحوّل النساء إلى مجرد شخصيات ظلال، بلا أثر يُذكر خارج حدود المنزل، وكأنهن لم يعشن إلا داخل إطار واحد لم يُفتح له باب على العالم.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …