الثقافة المدنية والمواطنية الفاعلة: جسر الانتقال من زمن الميليشيات إلى الديمقراطية الحقيقية في لبنان

في سياق الأزمات المتداخلة التي يعيشها لبنان، تبرز الثقافة المدنية والمواطنية الفاعلة كحجر أساس للانتقال من منطق الميليشيات المسلحة إلى العمل الديمقراطي المؤسساتي. هذا التحول ليس مجرد شعارات، بل عملية معقدة تتطلب إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وبناء هوية وطنية تتجاوز الانتماءات الطائفية.

1. الإطار النظري: الثقافة المدنية كأساس للديمقراطية

1.1. نموذج ألموند وفيربا: المشاركة والتوازن

وفقًا لـغابرييل ألموند وسيدني فيربا في كتابهما الثقافة المدنية (1963)، تُعتبر الديمقراطية أكثر استقرارًا في المجتمعات التي تجمع بين ثلاثة أنماط ثقافية: المشاركة (الانخراط الفعّال)، الخضوع (الالتزام بالقانون دون مشاركة واسعة)، والانعزالية (الانفصال عن الشأن العام)

. في لبنان، يهيمن النمط الانعزالي بسبب النظام الطائفي، بينما تُستخدم المشاركة بشكل انتقائي لدعم الهياكل الموازية (مثل الميليشيات)

1.2. الثقافة المدنية والحياة اليومية

تشير الدراسات إلى أن الثقافة المدنية لا تقتصر على المؤسسات الرسمية، بل تتجذر في الممارسات اليومية، مثل الحوار المجتمعي، والعمل التطوعي، واحترام التنوع

. في لبنان، تُهيمن الميليشيات على هذه المساحات عبر تقديم خدمات اجتماعية واقتصادية موازية، مما يعزز الولاءات الفرعية

2. واقع المجتمع المدني اللبناني: التحديات والفرص

2.1. إرث الحرب الأهلية وإخفاقات الدمج

بعد الحرب الأهلية (1975-1990)، فشلت عملية دمج الميليشيات في الدولة بشكل كامل. بينما دُمج 6,000 مقاتل في الجيش والأجهزة الأمنية بموجب القانون 88 (1991)، بقي عشرات الآلاف خارج النظام، مما سمح باستمرار تأثير الزعماء الطائفيين

. اليوم، لا تزال أحزاب مثل “حزب الله” تحتفظ بسلاحها، مُستندةً إلى شرعية “المقاومة”، مما يُعيق بناء ثقافة مدنية قائمة على احتكار الدولة للعنف

2.2. دور المنظمات غير الحكومية: بين التحدي والاحتواء

وفقًا لتقرير ليبانون سابورت (2019)، يُقدَّر عدد الجمعيات الأهلية في لبنان بأكثر من 10,000، لكن غالبيتها تعمل كـ”مقاولين” لتنفيذ مشاريع المانحين الدوليين، بدلًا عن قيادة تغيير مجتمعي جذري

. برامج مثل “المواطنون الفاعلون” التابع للمجلس الثقافي البريطاني تحاول تجاوز هذا النموذج عبر تمكين الشباب لقيادة مبادرات مجتمعية، لكن تأثيرها يبقى محدودًا في ظل هيمنة الميليشيات على الأرض

3. دراسة حالة: برامج المواطنية الفاعلة

3.1. نموذج “المواطنون الفاعلون”

يعمل هذا البرنامج على بناء مهارات القيادة الاجتماعية عبر أربع مراحل:

  1. الذات: تعزيز الوعي الفردي والقيم الديمقراطية.

  2. الحوار: بناء جسور الثقة بين المجموعات المتباينة.

  3. الرؤية المجتمعية: تصميم مشاريع تلبي احتياجات محلية.

  4. التنفيذ: تحويل الأفكار إلى إجراءات ملموسة
    خلال عام 2023، نفذ المشاركون 120 مشروعًا في مناطق مثل عكار والبقاع، تراوحت بين حملات نظافة وحملات ضغط لتحسين البنية التحتية

3.2. التحديات: الاحتواء الطائفي والتمويل المشروط

تواجه هذه البرامج معضلة أساسية: فمن ناحية، تحتاج إلى التعاون مع السلطات المحلية (غالبًا مرتبطة بزعماء طائفيين) لتنفيذ مشاريعها، ومن ناحية أخرى، تخاطر بتحويل المشاركين إلى “وكلاء” لنموذج خارجي، مما يُضعف الشرعية المحلية

4. الثقافة المدنية والأحزاب السياسية: نحو نموذج جديد

4.1. إشكالية الأحزاب شبه العسكرية

تحوَّلت الأحزاب المسلحة إلى دول داخل الدولة، حيث تتحكم بخدمات الصحة والتعليم، وتُعيد إنتاج الخطاب الطائفي. على سبيل المثال، تدار 70% من المدارس في الضاحية الجنوبية لبيروت عبر شبكات تابعة لـ”حزب الله”، مما يعزز الولاء للحزب بدلًا عن الوطن

4.2. نحو أحزاب مدنية: تجارب ناشئة

بدأت تظهر مبادرات مثل “التحالف المدني” و**”حركة مواطنون ومواطنات في دولة”**، التي تعتمد على برامج سياسية قائمة على الكفاءة بدلًا عن الهوية. لكنها تواجه تحديات في كسر احتكار الميليشيات للتمثيل الشعبي، خاصة في المناطق الريفية

5. التداخل الإقليمي وتأثيره على الثقافة المدنية

5.1. الصراع الإسرائيلي-الإيراني: استنزاف الموارد

تحوّل لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، حيث أدت الاشتباكات المتكررة على الحدود الجنوبية (2023-2024) إلى نزوح 250,000 شخص، وتدمير 40% من البنية التحتية في القرى الحدودية

. هذا الواقع يُبقي المجتمع في حالة طوارئ دائمة، مما يُعيق بناء ثقافة مدنية قائمة على الاستقرار.

5.2. اللاجئون السوريون: اختبار للتماسك الاجتماعي

مع وجود 1.5 مليون لاجئ سوري، تُستخدم قضيتهم كورقة ضغط سياسية. الميليشيات تستغل المخيمات لتجنيد عناصر جديدة، بينما تهمش الدولة دورها في إدارة الأزمة، مما يُعمق الانقسامات

6. سيناريوهات المستقبل: توصيات للتغيير

6.1. إصلاح النظام التعليمي

  • دمج قيم المواطنية: وفقًا لدراسة أجرتها ABAAD (2023)، 65% من المناهج اللبنانية لا تشجع على التفكير النقدي أو قبول الآخر

  • برامج التربية المدنية: تجربة المركز اللبناني للتربية المدنية (LCCE) في عكار أظهرت أن تدريب المعلمين على منهجيات تفاعلية يزيد مشاركة الطلاب بنسبة 40%

6.2. تعزيز الإعلام المستقل

تحليل محتوى القنوات اللبنانية يكشف أن 80% من التغطية تركز على الخطاب الطائفي، بينما لا تتعدى نسبة البرامج التي تعزز الحوار الوطني 5%

. دعم منصات مثل “ميدان” و**”درج”** يمكن أن يوفر مساحة للحوار المدني.

6.3. الضغط الدولي الذكي

المبادرات مثل الاتفاقية البحرية مع إسرائيل (2022) ربطت الاستثمارات بمعايير الحوكمة الرشيدة، لكن تطبيقها يتطلب آلية مراقبة مستقلة لتجنب تحويل المساعدات إلى أدوات طائفية

الانتقال من زمن الميليشيات إلى الديمقراطية الحقيقية في لبنان ليس عملية سياسية فحسب، بل تحوُّل ثقافي يعيد تعريف مفاهيم الولاء والانتماء. يتطلب هذا إعادة بناء العقد الاجتماعي على أساس المواطنية الفاعلة، حيث تكون المشاركة السياسية قائمة على البرامج لا الهويات، ويكون القانون هو المرجعية الوحيدة. دون هذا التحول، سيستمر لبنان في الدوران ضمن حلقة مفرغة من الأزمات، تُغذيها ثقافة الحرب وتُعيقها هياكل السلطة الموازية.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …