كسروان وجبيل: من يكتب الرواية الأخيرة؟

تُعدّ منطقتا كسروان وجبيل في جبل لبنان أكثر من مجرد جغرافيا سياسية؛ إنهما ساحة صراع على الذاكرة والهوية، تتنافس فيها سرديتان متضادتان شكلتا وعي المنطقة على مدى نصف قرن. السردية الأولى هي قصة “المقاومة المسيحية” التأسيسية التي صاغتها الكتائب والقوات اللبنانية بالدم والسلاح، والثانية هي سردية “الهندسة السياسية” التي أتقنها التيار الوطني الحر لتفكيك الموروث الأول عبر عملية “تأهيل سياسي” ممنهجة. لكن المفارقة تكمن في أن السردية الثانية، التي قامت على تفكيك الأولى، بدأت هي نفسها بالتفكك، لتعود المنطقة إلى فراغ سردي يُعاد فيه طرح السؤال الأساسي: من يملك الحق في كتابة قصة كسروان وجبيل؟

السردية الأولى: قدسية الأرض وأيقونة البطل

بين سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي، تم بناء سردية متماسكة جعلت من كسروان وجبيل “العمق الاستراتيجي” و”الأرض المقدسة” للمشروع المسيحي المسلّح. لم تكن هذه مجرد توصيفات تكتيكية، بل كانت ركائز أيديولوجية. فقد حوّلت طبيعة المنطقة الجبلية المنعزلة إلى قدر إلهي جعلها حصناً منيعاً. في قلب هذه الملحمة، وُضعت أيقونة البطل بشير الجميّل، الذي لم يكن مجرد قائد، بل كان المتدرب الذي “ينبطح في الوحول” بلا امتيازات، والشهيد الذي خُلّدت ذكراه في المعسكرات. لقد تحولت أماكن التدريب مثل قهمز وفيطرون إلى مصانع لإنتاج “المقاومين”، وأصبح دير سيدة إيليج مزاراً مقدساً للشهداء، مما رسّخ طقوس التضحية والفداء. كانت شرعية هذه السردية مستمدة بالكامل من البندقية ومن الصمود في وجه “الآخر”، سواء كان فلسطينياً أم سورياً.

السردية الثانية: تفكيك الموروث عبر “التأهيل السياسي”

مع توقيع “تفاهم مار مخايل” عام 2006، بدأ التيار الوطني الحر عملية منهجية لم تهدف إلى محو السردية الأولى، بل إلى تفكيكها وتوظيفها. اعتبر التيار نفسه الجهة السياسية الأجدر بتنفيذ عملية “التسريح والتأهيل والدمج” لقواعد الميليشيات المسيحية السابقة، ولكن ليس ضمن مؤسسات الدولة، بل ضمن مشروعه السياسي الخاص. لقد كانت استراتيجيته تقوم على تحويل الإرث العسكري من مصدر للقوة المسلّحة الخصمة إلى خزان انتخابي موالٍ.

لم تكن هذه العملية عفوية، بل كانت عملية تنظيمية دقيقة استعان فيها التيار بالخبرة العملياتية لحليفه الجديد، حزب الله. فُتحت قنوات تنسيق عميقة، وتحدثت تقارير عن غرف عمليات ومهام مشتركة أُوكلت إليها مهمة مسح الخارطة الاجتماعية والعائلية في كسروان وجبيل. برز في هذا السياق اسم شخصية أمنية من حزب الله يُدعى “طه”، الذي قيل إنه تولى الإشراف على عمليات التشبيك، وتحديد الشخصيات المؤثرة من المقاتلين القدامى وعائلاتهم، بمساعدة محلية طبعاً، ورمي الاتهامات لاحقا لغسل “التعامل” مع حزب الله او امل، علما انه وفق الامر واقع الدولة، الكتائب، قبل سامي الجميل وبيار الجميل كانت بيد كريم بقرادوني، المنغمس لحناجره مع سورياً وايران، مما يعني ان من تم التعاون معهم يدورون في فلكن، وبناء جسور معهم لدمجهم في التحالف الجديد. وبهذا، تم تحويل الولاءات تدريجياً من الذاكرة العسكرية للقوات إلى البراغماتية السياسية للتيار، عبر استبدال شرعية البندقية بشرعية الصندوق والخدمات.

كانت هذه الهندسة الاجتماعية هي المحرك الحقيقي الذي سمح للتيار بتحويل الجغرافيا الرمزية لكسروان وجبيل من ساحة معركة إلى دائرة انتخابية مضمونة، عبر تفكيك البنية التحتية البشرية للسردية الأولى ودمجها في سرديته الجديدة.

تفكك السردية المُفكِّكة: انهيار الأساس وعودة الصراع

لكن السردية التي بناها التيار الوطني الحر كانت تحمل في طياتها بذور تفككها، فقد كانت قائمة بالكامل على تفاهم مار مخايل، ليس فقط كغطاء سياسي، بل كشريك عملياتي. وعندما بدأت الخلافات حول بناء الدولة وملف الرئاسة، وتعمّقت مع انخراط حزب الله في حرب “إسناد غزة”، انهار الحجر الأساس الذي بُنيت عليه هيمنة التيار السياسية. مع إعلان جبران باسيل الرسمي عن نهاية التحالف عام 2024، لم يخسر التيار حليفاً استراتيجياً فحسب، بل خسر الآلية التنظيمية التي مكنته من السيطرة والتغلغل.

هذا الانهيار أدى إلى تراجع نفوذ التيار وتقلص كتلته النيابية، ووضعه في موقف صعب يضطره للبحث عن قصة جديدة. إن محاولته “إعادة التموضع” ضمن القوى السيادية هي اعتراف ضمني بأن سرديته القديمة لم تعد صالحة.

وهكذا، عادت كسروان وجبيل إلى نقطة الصفر. لقد نجحت سردية التيار في تفكيك سردية القوات، لكنها فشلت في تقديم بديل مستدام. واليوم، تشهد المنطقة فراغاً سردياً تعود فيه القوى المتنافسة، وعلى رأسها القوات اللبنانية والكتائب، لمحاولة إحياء قصتها الأولى عن “الأصالة المقاوِمة”، بينما يبحث التيار عن سردية جديدة تبرر وجوده. إن الصراع القادم لن يكون على المقاعد النيابية والبلدية فحسب، بل سيكون صراعاً أعمق على تعريف روح هذه المنطقة ومن يملك الحق في رواية تاريخها ورسم مستقبلها.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …